مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (1)
كتبت بواسطة د.رفيق حبيب
أن تكون باحثا وقبطيا وقريبا من الحركة الإسلامية، فهذا وقوف في مربع ساخن، وفي منطقة ملتبسة، يرفض البعض أن يراك فيها. ففي كل لحظة تاريخية هناك مساحات من المناطق المغلقة، والتي لا يريد البعض أن تقتحم. فهناك
مساحات محظورة تحافظ على بقاء الأوضاع الراهنة، وتستخدم لتحقيق مصالح سياسية، واقتحام تلك المساحات يسبب قلقا للبعض، فيحاول منع أي أحد من اقتحامها.
وبسبب حالة الاحتقان والفرقة التي تعاني منها الأمة، يصبح الخروج على المواقف المألوفة أمرا يزعج البعض، لأنه لا يتطابق مع القوالب السائدة. فمن يتعامل مع الحركة الإسلامية بنزاهة البحث العلمي الموضوعي، يتجاوز
حسابات النظرة السياسية المخاصمة للحركة الإسلامية، والتي تريد ليس فقط رفضها، بل وتشويه صورتها أولا حتى تتمكن من الانتصار عليها، نظرا لما تتمتع به الحركة الإسلامية من تأييد شعبي واضح.
فإذا كنت باحثا وقبطيا، وتريد رصد الصورة الحقيقة للحركة الإسلامية، تصبح كمن يتجاوز كل المحظورات، غير عابئ بحسابات السياسة والمصالح.
وإذا كنت باحثا يريد رسم صورة موضوعية عن الحركة الإسلامية، بعيدا عن خلافات الحركات الإسلامية، وبعيدا عن الخلافات داخل الحركة الواحدة، وتريد أن تحافظ على موقع الباحث عن الحقيقة.
فأنت كمن يريد البحث في مناطق مختلف عليها، وفيها من الخلاف أو الصراع ما ليس بقليل، ويريد أن يظل طرفا محايدا، وهو أمر لا تقبله بعض الأطراف، والتي تريد تصفية خلافاتها والانتصار لفكرتها، دون تدخل من أحد، ومن
يتدخل حتى وإن كان عن غير قصد، يصبح خصما، عليه أن يدفع ثمن إخلاله بميزان المواجهة بين الآراء المختلفة.
وكأنه من الممكن أن يكتب الباحث، دون أن يكون لما يكتبه تأثير على الآراء المختلفة، أي أن يكتب دون أن يكون لما يكتبه معنى محدد. أما إذا كنت تريد معرفة ماهية المشروع الإسلامي، فأنت بين آراء واجتهادات مختلفة، فإذا
رأيت تصورا، ستكون كمن يرفض التصور الآخر.. وتصبح المشكلة في معرفة ما هو المشروع الإسلامي، ولا يبقى إلا أن تنحاز لفريق ضد آخر، وتدخل في المعارك بين الاتجاهات المختلفة، ويصبح عليك دفع ثمن تلك الخلافات.
فمن يريد أن يتعرف على أسس المشروع الإسلامي المجمع عليها، كمن يريد أن يكون حكما بين المختلفين، فتصل له نيران تلك الخلافات.وإذا اقتربت من فصيل إسلامي، ثم اقتربت من فصيل آخر، فأنت كمن يؤيد فريق على
آخر، ثم يغير موقفه. وإذا كانت رؤيتك تصب في مصلحة رؤية داخل الحركة الإسلامية، فأنت كمن يحارب أصحاب الرؤى الأخرى.
وإذا أردت معرفة ورصد حالة الحركة الإسلامية، فستجد نفسك مرة أخرى بين من يختلفون على توصيف تلك الحالة.. وتصبح كمن انحاز لطرف لصالح الآخر، لذا يجوز في حقك نفس الاتهامات التي يكيلها طرف لآخر، وكأنك
كنت جزأ من المشكلة وتاريخها، رغم أنك لم تكن طرفا فيها.
فإذا كنت قبطيا في لحظة ترفض فيها الجماعة القبطية الهوية الإسلامية جملة، وليس فقط المشروع الإسلامي، فيصبح موقفك أصعب.. لأن مخالفة الجماعة التي تنتمي لها له ثمن، والثمن يأتيك من الجماعة ومن كنيستها.. وليس من
حقك أن تقول أنه علينا النظر في الاحتمالات الأخرى، أو التفكير بصورة مختلفة.
أما إذا أردت هدم الفجوة بين الجماعة المسيحية والمشروع الإسلامي، ونحن في زمن الفتنة، فتكون كمن تجاوز كل الخطوط الحمراء، وتجرأ على حسابات النظام الحاكم والدول الغربية الداعمة له، وتجرأت أيضا على حسابات
التحالف بين الدولة والكنيسة، وحسابات النخب العلمانية التي تستقطب الأقباط، وتجرأت أخيرا، على حالة الرفض المنتشرة بين صفوف الجماعة المسيحية للمشروع الإسلامي.
فإذا أردت بعد كل هذا أن تبقى باحثا وقبطيا، وقريبا من الحركة الإسلامية، يصبح عليك أن تدفع ثمن إصرارك على السير في عكس الاتجاه، ودفع غرامة مخالفة قواعد اللعبة، والتغاضي على قواعد الصراع الحاكمة للمنطقة
العربية والإسلامية، والحاكمة للأوضاع في مصر.
وتلك مجازفة كبرى، ثمنها كبير، ويأتيك من كل اتجاه، من الجماعة المسيحية أو من الكنيسة، كما يأتيك من النخب الحاكمة أو النخب العلمانية، ويأتيك أيضا من داخل الحركة الإسلامية نفسها، والتي قد يرى بعض المنتمين لها
أنك تقف في موضع ليس مألوفا، وكل ما هو ليس مألوفا، فهو يثير الريبة.
فماذا يدفعك بعد ذلك أن تكون قبطيا وباحثا وقريبا من الحركة الإسلامية؟!!
هل هو حب المغامرة والمخاطرة؟!!
أم البعد عن المألوف؟!!
وكأنه لا يوجد احتمال آخر، بأن تكون باحثا عن مستقبل أمة تعيش في خطر.
إن ما كان في الماضي من توافق حول المرجعية والهوية، لم يعد موجودا على الأرض الآن، فكان من السهل على القيادي القبطي البارز مكرم عبيد، أن يقول أنه مسيحي دينا ومسلم حضارة، ولكن هذا القول لم يعد يجرؤ عليه
أحد، وإلا ناله الهجوم من كل جانب.
فسوف يأتيه الهجوم من الجماعة المسيحية، والتي ترى في ما يقول خروجا على الهوية المسيحية، والهوية المصرية الخالصة.
وسوف يأتيه الهجوم أيضا من طرف إسلامي، لا يفهم لماذا يكون موقفه مختلفا عن غيره من أبناء جماعته المسيحية. وتصبح المشكلة في كيفية بناء جسر بين الجماعة المسيحية والحركة الإسلامية، فأي حركة إسلامية وأي بديل
إسلامي، وما هو المعيار الذي يمكن القبطي من فهم الاختلافات بين الحركات الإسلامية، ومعرفة مواقفها. فإذا كان هدفك هو بناء جسر من التفاهم والفهم بين الجماعة المسيحية، والتيار السائد في المشروع الإسلامي، فقد أوقعت
نفسك في مشكلة أكبر.. فأنت كمن ينحاز لفريق ويعتبره تيارا سائدا داخل الفكرة الإسلامية، وهو بهذا يقلل من شأن الفرق الأخرى، حتى وإن لم يقصد.
فإذا كان التنافس قد أنحصر في بعض الحالات حول من هو الأحدث والأكثر تطورا، فلن يقبل منك أن تدخل في تلك المعركة التنافسية، ولن يقبل البعض إلا أن تكون معه، أو تكون خصما للرؤية الإسلامية الحديثة التي يمثلها.
وإذا كانت رؤيتك تتوافق مع رؤى توصف بالتشدد، ستصبح متشددا.
وإذا جاءت رؤيتك متوافقة مع الرؤى التي توصف بالمهادنة، فسوف تكون متآمرا على الحركة الإسلامية.
والحقيقة أنك في كل الحالات ستكون متآمرا، لأن حالة الخلاف الحادثة داخل الساحة الإسلامية، جعلت التهم تلقى يمينا ويسارا، ولا يمكن لأحد، خاصة إذا كان باحثا وقبطيا، أن يظن أنه بمنأى عن تلك المعركة، أو يمكن أن
يترك لحاله، على أساس أنه ليس طرفا في خلافات الحركات، أو خلافات التنظيم.
فلا يقبل بحال أن تكون تصوراتك تفيد طرف أو تتوافق مع تصوراته، دون أن تكون خصما لخصومه.
وتصبح مشكلة من يبحث عن أسس الفكرة الحضارية الإسلامية، ويريد أن لا يكون طرفا بين الخصوم الإسلاميين، أنه كمن يريد أن يؤثر على حسابات خلافات الفصائل، ولا يتأثر بما فعل.
فهل هي جريمة إذن أن تكون باحثا وقبطيا، ومناصرا للحركة الإسلامية؟!!
فلماذا تقدم على هذه الجريمة، إن كانت جريمة؟!!
ولماذا تقدم على هذه المخاطرة، إن كانت مخاطرة؟!!
وهل هناك ضرورة لذلك، رغم ارتفاع التكلفة والضريبة، وهناك سبل لها عائد وبدون تكلفة؟!!
تلك هي الأسئلة المحورية التي توجه لقلم باحث قبطي، وهو كاتب هذه السطور، وتفتح ملفا كنت أظنه لن يفتح إلا في نهاية المشوار، ولكنها الأقدار إذن.
______________________________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (2)
د. رفيق حبيب | 11-08-2010 00:19
لا يمكن أن تكون باحثا ولا تكون منحازا، فلا يوجد علم موضوعي مطلق، ولكن العلم يبنى على قيم ومسلمات ومبادئ، وتلك القيم تمثل انحياز الباحث. فالعلم يستند إلى قيم توجه رؤيته وتحدد وظيفته، ومن خلال تلك القيم
يبني الباحث دوره المجتمعي. ولكن في ما بعد تلك القيم التي ينحاز لها الباحث، عليه أن يبقى موضوعيا تجاه الظواهر التي يدرسها. والطبيعي أن يكون الباحث منحازا لمجتمعه، ويستند إلى قيم مجتمعه، ويعمل من أجل مصلحة
مجتمعه، وهو ما يحدث في مختلف البلاد المتقدمة، والتي تقدم لنا علما منحازا لقيمها، لأنه علم وضع لخدمة مجتمعاتها.
وبالمثل يجب أن يكون الباحث في بلادنا منحازا لمجتمعه، ومنحازا للقيم الحضارية المشكلة لهوية مجتمعه، ولكن لأن بلادنا تمر بأزمات هوية، فأصبح على الباحث أن يحدد منذ البداية انحيازه المعرفي، والقيم التي يستند عليها. وكان
تصوري منذ البداية، أن على الباحث أن يكتشف هوية مجتمعه، مادامت هناك أزمة هوية، ومن خلال البحث يحدد الباحث الهوية والقيم التي يراها معبرة عن المجتمع، ثم ينحاز لها. فلا يمكن للباحث أن ينحاز لغير ما ينحاز له
المجتمع، وإن كان غالب الباحثين في البلاد العربية والإسلامية ينحازون للعلم الغربي وللقيم الغربية. لذا كانت بداية مشوار الباحث تبدأ بعملية اكتشاف الهوية الحضارية للمجتمع المصري. وتوصلت مثل غيري، أن الهوية الحضارية
للمجتمع المصري هي الهوية الحضارية الإسلامية، وأن المجتمع المصري له خصوصية ثقافية مصرية، ولكنه جزء من الهوية الحضارية العربية، والأخيرة جزء من الهوية الحضارية الإسلامية. وعليه يصبح المجتمع المصري جزءا من الأمة
الإسلامية.
وتشكل تصوري الأساسي، بأن البحث الاجتماعي يجب أن ينطلق من منظومة القيم التي يستند لها المجتمع المصري، ويعمل على حمايتها. لهذا لا يصبح موقف الباحث من كل المشروعات الحضارية واحدا، لأنه يرى أن المشروع
الحضاري الإسلامي يعبر عن المجتمع وينبع منه، أما المشروع الحضاري الغربي فغريب عن المجتمع، ويفرض عليه. وكل باحث يضع لنفسه مجالا يدرسه ويعطيه الأولوية، وقد كنت أرى ومازلت، أن الظاهرة الدينية تمثل محورا
مركزيا في حياة المجتمعات العربية والإسلامية، وأن الدين يمثل المحور المركزي المشكل لتلك المجتمعات، وعليه رأيت أهمية دراسة الظواهر الدينية، ومنها الحركة الإسلامية، وأيضا الحركات المسيحية، لأنها تمثل ظواهر أساسية مشكلة
لمستقبل وحاضر المجتمعات العربية والإسلامية، ومنها المجتمع المصري.
هكذا كان اختيار الباحث، أن يدرس الظواهر الدينية بوصفها مفتاحا لمعرفة الحاضر والتنبؤ بالمستقبل، وأيضا لأن الدور المحوري للدين، يعني أن الظاهرة الدينية هي التي سوف تصنع النهوض الحضاري، المستند للمرجعية الحضارية
للأمة، وهي المرجعية الإسلامية. فتصبح متابعة الظاهرة الإسلامية، والحركة الإسلامية، هي جزء من الاهتمام بمصير مشروع النهضة. وعندما يتأكد للباحث، أن الحركة الإسلامية تمثل التيار الذي يعمل على إحياء المرجعية
الحضارية الإسلامية، ومادامت هذه المرجعية تمثل هوية الأمة، لذا تصبح الحركة الإسلامية هي العمود الفقري لمشروع الإصلاح والتغيير، ومشروع النهوض الحضاري، ويصبح كل ما يتعلق بها ويرتبط بها ويؤثر عليها، له تأثيره
المباشر على مستقبل الأمة. وبهذا تتشكل قناعة الباحث الأساسية، والتي يبني عليها مشروعه البحثي. وكان في تصوري، أن دور البحث يستكمل بدور المنظر، والمنظر هو من يقوم بوضع إطار نظري تفسيري للظواهر الكلية أو
الجزئية، بهدف الوصول إلى نموذج يفسر الظواهر ويفسر حركتها عبر التاريخ، ويشرح بالتالي تحولاتها المستقبلية.
هكذا تحددت مسلمات الباحث، في التحيز إلى الهوية التي يجمع عليها المجتمع، وتمثل هويته التاريخية، أي الهوية المتحققة تاريخيا. والمرجعية الحضارية لأي مجتمع، ليست فرضا خياليا، بل هي مجموعة من القيم والمبادئ التي يؤمن بها
أغلب الناس. لذا فالمرجعية الحضارية للمجتمع المصري، توجد في الوعي الجمعي لأغلبية المجتمع المصري، ومن خلال الملاحظة يستطيع الباحث التوصل إلى القيم السائدة في الوعي الجمعي للمجتمع المصري، وتصبح تلك القيم
ممثلة للمرجعية الحضارية للمجتمع. وكل مجتمع يريد أن ينهض لا يمكن له أن يحقق ذلك من خلال تقليد الآخرين، وتلك مقولة علمية أخرى يستنتجها الباحث من دراسته، فعندما تجد أن كل الأمم والشعوب قد حققت نهضتها
من خلال تميزها الحضاري، فيصبح مصير المجتمعات العربية والإسلامية متفقا مع تلك القاعدة، فمن خلال التميز الحضاري للمجتمعات العربية والإسلامية، يمكنها تحقيق النهضة، ولكن من خلال تقليد الآخرين، فلن تحقق إلا
التبعية الحضارية للحضارة الأقوى، أو للقوى المهيمنة. وهكذا تتشكل قناعة الباحث تدريجيا، حتى يبني العديد من المسلمات، والتي تمثل إطاره النظري الذي يفسر به الظواهر التي تشغله.
وعندما يرى الباحث أن هوية مجتمعه هي الهوية الحضارية الإسلامية، ويصبح ملتزما بالقيم السائدة في المجتمع، يصبح بالضرورة منحازا للتيار الذي يحمل تلك القيم، ويصبح أيضا منحازا ضد التيارات التي تعارض تلك الهوية، والتي
تخاصمها، أو تعمل على هدمها. ولكن تحيز الباحث للتيار الذي يراه معبرا عن هوية المجتمع، وضد التيارات الأخرى، ليس انحيازا سياسيا، فهو ليس نتاجا لاختياره السياسي، بقدر ما هو نتاجا لاختيار المجتمع، الذي حدد هويته
الحضارية. لذا يتعامل الباحث المنحاز لهوية المجتمع، مع التيار العلماني باعتباره تيارا وافدا، ويدرس تأثيره على المجتمع، من خلال تأثيره على بنية المجتمع وهويته. وليس معنى هذا، أن الباحث تحول إلى سياسي، لأن من يرى أن هوية
المجتمع هي الهوية العربية الإسلامية، فقد ألزم نفسه بمنظومة توجه بحثه في إطار القيم التي رأى أن المجتمع ملتزم بها، أي هوية المجتمع.
والباحث يختلف عن السياسي، وتلك قضية مهمة، يبدو أنها أصبحت تمثل مشكلة، فقد أصبح البعض ينظر للباحث مثل نظرته للسياسي. والفاعل السياسي له موقف، وله منهج يعتمده، وله توقعات وحسابات خاصة به، وبالتالي
فهو منحاز، ليس فقط لمشروعه، بل ومنحاز لطريق خاص داخل المشروع، ومنحاز أيضا لمنهج خاص، ومنحاز لطريقة حسابات وأسلوب محدد في قياس التوقعات. فالفاعل السياسي، منحاز دائما، وليس فقط غالبا. في حين أن
الباحث غير منحاز، إلا للقيم التي يعمل من أجلها، ويلتزم بها. والباحث ليس منحازا لتيار ضد آخر، إلا من خلال قرب تلك التيارات وبعدها من القيم التي أعتبرها الباحث ممثلة لهوية المجتمع. لهذا يختلف موقف الباحث عن
موقف السياسي، فالسياسي يرى كل الأمور من خلال تقييمه الخاص، فقد يراها صوابا أو خطأ، ولكن الباحث يرصد الحقيقة على أرض الواقع، ويحاول أن ينقل صورة الواقع ويحلله ويفسره، ولكنه ليس معنيا باتخاذ موقفا
سياسيا، لأنه أصلا ليس فاعلا سياسيا. والكثير من الكتابات تخلط بين الموقف السياسي والموقف البحثي، لأن الكثير من الباحثين لهم موقف سياسي، ويقوموا بأكثر من دور. ولكن موقف الباحث الذي يريد معرفة الظاهرة، يركز
أساسا في طبيعة الظاهرة، ومحاولة فهمها وتفسيرها، ويرصد تأثيراتها، وتأثير العوامل المحيطة بها. فالباحث الذي لا يمارس دور الفاعل السياسي، لا يكون معنيا بتقييم كل ما يتناوله ليضعه في خانة الصواب والخطأ، مثل السياسي.
وما يقوم به الباحث من رصد، يسمح له بتحديد مدى قدرة الحركة أو التيار على تحقيق أهدافها، وتحديد المتوقع من سلوك الحركة في المستقبل، ومدى قدرة الحركة على صد المعوقات التي تواجهها، ولكن هذا غير موقف الفاعل
السياسي، الذي يقترح البدائل ويطالب الحركة بتغيير خطتها أو أساليبها.
هكذا يتضح مع الوقت، كيف أنه من الصعب أن تكون باحثا، في قضايا تحولت إلى معارك سياسية طاحنة، فإذا بقيت في مربع الباحث، تصبح في موقف يكثر من الغاضبين منك وعليك، ففي معارك السياسة، لا مكان لموقف
الباحث. فإذا كان من الصعب أن تكون باحثا، فمن الصعب أن تكون باحثا وقبطيا، وقريبا من الحركة الإسلامية!
وإلى المقال القادم..
_______________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (3)
بقلم:
د. رفيق حبيب
نقلاً من المصريون
إذا كنت باحثا، وتوصلت أن الهوية الحضارية الإسلامية، هي هوية المجتمع المصري، فهذا يعني أن النهوض الحضاري الإسلامي، هو السبيل لتحقيق الاستقلال والنهضة في المجتمع المصري، وفي كل الأمة الإسلامية. ولكن أن تكون
باحثا وقبطيا، وتصل إلى هذه الرؤية، فأنت أمام مشكلة، لأن مصر شهدت منذ سبعينات القرن العشرين صراعا حول الهوية، جعل معظم الجماعة المسيحية في مصر تبتعد عن الهوية الإسلامية، والهوية العربية أيضا. لذا فنحن في
مرحلة صراع الهوية، وعندما تجد كباحث أن الهوية الحضارية للمجتمع المصري هي الهوية الإسلامية، سوف تصبح في مأزق كقبطي. ولكن القبطي استعان بالباحث، فهو من توصل لتلك النتيجة، وبدأت رحلة البحث عن واقع
الهوية الحضارية للمجتمع المصري، ورغم أنها رحلة طويلة، إلا أن خلاصتها ربما تكفي في هذا المقام.
فالمجتمع المصري له تقاليد اجتماعية ونظام اجتماعي ملاحظ، يمكن رصده ومعرفة أسسه ومبادئه. وهو مجتمع متدين ومحافظ وشرقي، له طابعه الخاص المستمد من نموذج حضاري خاص به. والمتابع للقيم السائدة في اللغة
والتصرفات لدى المنتمين للمجتمع المصري، يمكن أن يلاحظ حجم التشابه الحادث بين المكونات المختلفة للمجتمع. فهو مجتمع متدين يعلي من قيمة الدين، ويعلي من شأن حكم الدين، وهو أيضا يفعل قيم الدين في حياته
بدرجات مختلفة، ولكنه مؤمن بأن قيم الدين هي القيم الأصلية المطلقة. وهو مجتمع يتميز بقيم العدل والتراحم والتكافل والتضامن الاجتماعي، وأيضا هو مجتمع محافظ يعرف أن للحرية الفردية حدودا، ويعلي من شأن العفة
والاحتشام، ويتميز بوضع ضوابط لتأسيس الأسرة، ويجعل من أساس الأسرة أساسا دينيا. وهكذا تجد العديد من القيم المشتركة، والتي لا تميز جماعة عن أخرى داخل المجتمع، وتشكل نمطه الاجتماعي الغالب، والذي توافق عليه
المجتمع عبر القرون، وأصبح يمثل الوعي الجمعي.
تلك الحقائق تؤكد على أننا بصدد مجتمع له قيم مشتركة، وهي تمثل مرجعيته الحضارية، وقد يسميها المسلم بالمرجعية الحضارية الإسلامية، ويعتبرها المسيحي بمرجعية حضارية مصرية. ولكن الواقع الاجتماعي يكشف على أن
النموذج الحضاري المتحقق في مصر، هو النموذج الحضاري العربي، وهو أيضا النموذج الحضاري الإسلامي. فنحن بصدد مجتمع له مرجعية حضارية متحققة في حياة الناس مع اختلافهم في الدين، وهذه المرجعية تتمدد داخل
الخصوصية الثقافية المصرية، ثم تتمدد أيضا داخل الهوية الحضارية العربية الإسلامية. لذا يمكن القول: بأن النموذج الحضاري المتحقق في المجتمع المصري، هو النموذج الحضاري الإسلامي، والذي نجده متحققا في الوعي الجمعي
للمصريين عامة، رغم النزاع حول مسميات الهوية، ونجده أيضا متحققا في الوعي الجمعي العربي والإسلامي.
ومادام الوعي الجمعي للمصريين جميعا يحتفظ بنفس القيم، ويعرفها بنفس المعنى، إذن فقد تحققت الوحدة الحضارية للمجتمع المصري تاريخيا، وأصبح المطلوب هو استعادة تلك الوحدة الحضارية، لتحقيق وحدة الجماعة الوطنية
المصرية، ثم لتحقيق وحدة الأمة الإسلامية كلها، وتحقيق نهضتها. ولكن هذه الخلاصة، والتي تحتاج بالطبع للمزيد من الشرح، تواجه بحالة من حالات نزاع الهوية الحادة في المجتمع المصري، والعديد من المجتمعات العربية والإسلامية
الأخرى، والتي من مظاهرها رفض بعض الجماعات المسيحية العربية، خاصة في مصر، للعنوان الحضاري الإسلامي. حيث ترى الجماعة المسيحية في مصر، أن الهوية العربية أو الهوية الإسلامية، تؤدي إلى ذوبانها في هوية ذات عنوان
مختلف، وربما مضمون مختلف. لذا تحاول الجماعة المسيحية حماية نفسها داخل الهوية المصرية الخالصة، رغم أن قيم الجماعة المسيحية المحافظة والمتدينة، لا تختلف في النهاية عن إطار الهوية الإسلامية التي ترفضها.
هكذا يتصور "الباحث" أنه حل مشكلة الهوية "للقبطي"، ولكنه في الحقيقة كلفه بأن يعمل كباحث وكقبطي من أجل تأكيد الهوية والمرجعية الحضارية المشتركة، ويعمل على إثبات أن الهوية الإسلامية، تمثل مرجعا حضاريا
للمسيحي، وهي بالنسبة للمسلم مرجعا دينيا وحضاريا. ويصبح عليه أيضا، أن يكتشف حجم المشترك بين تطبيقات القيم الدينية الإسلامية والمسيحية في المجال الاجتماعي والسياسي. فبين الإسلام والمسيحية اختلاف في العقيدة
والعبادات، ولكن بينهما أيضا تشابه ومشترك ليس بقليل، في تطبيقات القيم الدينية في المجالات العامة. ولهذا يبقى التميز في مجال العقيدة والعبادة وقوانين الأسرة، ويظهر المشترك في التطبيقات العامة في الحياة، وهذا المشترك هو ما
يمكن تسميته بالنمط المحافظ المتدين الشرقي، والذي لاحظه الباحث الغربي بسهولة، فلم تكن تحاصره معارك الهوية. ولكن الباحث المنتمي للأمة، تحاصره مشكلات السياسة، وإذا كان قبطيا، تحاصره مشكلات السياسة
ومشكلات الاحتقان الديني.
ولكن الأمر لا يتوقف على مشكلة النزاع الديني أو نزاع الهوية، فهناك حسابات السياسة، حسابات النخب الحاكمة والنخب العلمانية، وأيضا حسابات الغرب، وكلها ترفض بشكل قطعي أن يتعامل القبطي مع المرجعية
الحضارية الإسلامية، أو أن يقترب منها ويتفاعل معها، لأن احتمال وصول الجماعة المسيحية لمصالحة مع الهوية الحضارية الإسلامية، يربك العديد من الحسابات، ويفشل العديد من مشروعات العلمنة والتغريب، وينهي استغلال
ورقة الاختلاف الديني في الصراع مع الحركة الإسلامية، واعتبار وجود المسيحيين سببا في منع نشاط الحركة الإسلامية. وبهذا يصبح التقريب بين الجماعة المسيحية والهوية الحضارية الإسلامية، وهو أمر صعب في المرحلة التاريخية
الحالية، يتجاوز لعديد من حسابات السياسة، بل يعد قفزا على مصالح القوى المهينة على الوضع في المنطقة العربية والإسلامية.
لهذا رأى الباحث القبطي، أن هذا المشروع لا يمكن إلا أن يكون مشروعا فرديا تطوعيا، يقوم به عن قناعة بأن ذلك يمثل مصلحة المجتمع والأمة كلها. وأنه لن يكون مشروع مؤسسة أو أي جهة، بل سيظل مشروعا يقف ضده
الكثير. وهو مشروع يقوم به فرد من الجماعة المسيحية، وستقف أمامه كل المؤسسات المسيحية، لأنه يهدم التوافق الحادث بين الكنيسة والدولة، ويتجاوز العديد من الخطوط الحمراء، في العلاقة بين مؤسسات الداخل ومؤسسات
الخارج، ويفشل كل محاولات جعل المشكلة الطائفية سببا في علمنة المجتمع، ويؤثر سلبا على المشاريع المسيحية التي تستنجد بالخارج الغربي. لذلك كان من المهم في تصوري، أن يكون نشاط الباحث القبطي مقصورا على جهوده
الذاتية ككاتب، حتى يكون الباحث مستقلا بالكامل عن أي جهة علمية أو بحثية، أو أي مشروع مرتبط بأي مؤسسة محلية أو خارجية، ويكون صاحب القرار الوحيد في كل كلمة يكتبها.
لكن كل هذا لا يحل المشكلة، فالباحث منحاز للمرجعية الحضارية وهو قبطي، ويتخطى حسابات كل الأطراف، لذا يصعب أن تصل فكرته لقارئه، ويحاول البعض منعها. وتصبح المشكلة أن المناخ نفسه غير مناسب حتى يفهمك
من تحاول توصيل رؤيتك له، لدرجة أنك تعجز عن إيجاد الكلمات المناسبة التي تجعل فكرتك على الأقل واضحة، خاصة للأطراف التي تقف على خط المواجهة الحضارية مع المشروع الإسلامي، ومنهم الجماعة المسيحية في مصر،
أو أغلبها.
أما أن تكون باحثا وقبطيا، ورغم كل ذلك تصر على أن تكون قريبا من الحركة الإسلامية، فهذا ما يجعل الموقف مرفوضا ومستهجنا من البعض، على أقل تقدير.
وإلى المقال القادم..
___________________________________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (4)
د. رفيق حبيب | 25-08-2010 00:34
توصل الباحث إلى أن الهوية الحضارية الإسلامية، هي الهوية المتحققة بالفعل في الوعي الجمعي للمجتمع المصري، أو أغلبه، وأنها هي أيضا الهوية المتحققة حضاريا في الوعي الجمعي للجماعة المسيحية، وأصبح القبطي يستهدف
البحث عن كيفية بناء الجسور مع الفكرة الحضارية الإسلامية، من منطلق تنمية الوعي بالقيم الحضارية المحافظة المتدينة الشرقية، والتي تميز المسلم والمسيحي، وتجمعهم في سياق الهوية الحضارية الإسلامية. وتلك المهمة، وهي غير
مرغوب فيها من قبل العديد من الجهات النافذة، تحتاج للبعد عن صراعات السياسة. والباحث بعيد عن السياسة، فدور الباحث غير دور السياسي. وكان الطريق الأفضل هو التركيز على الجانب الاجتماعي والحضاري المشترك،
والبحث عن القيم المشتركة في الحياة الاجتماعية، والتركيز على الظواهر الدينية والاجتماعية العامة، والتي تشكل ملامح المجتمع المصري، حتى يظل البحث في نطاق بعيد عن مجال السياسة وصراعاتها. ولكن الباحث رأى أن يأخذ
موقفا آخر، فقد رأى الباحث أن المشروع الحضاري الإسلامي يوجد على الأرض، ويتمثل في مشاريع حركية تقوم بها الحركات الإسلامية على اختلاف تياراتها، لذا أصبحت الفكرة الحضارية متحققة بالفعل، وأي كلام نظري أو
افتراضي عنها، يمكن أن يبدو بعيدا عن واقع الحركة الإسلامية، وقد يراه البعض يدخل في باب الأطروحة النظرية.
كما أن الباحث في تصوري، يرتبط بالظواهر التي يدرسها، لأنه يريد خدمة المجتمع الذي ينتمي له، ولهذا يصبح متفاعلا مع القضية أو المشكلة التي يهتم بها، ويحاول جعل ما يقوم به مفيدا للحركة على الأرض، وليس مجرد حديثا
نظريا غير متفاعل مع الواقع. ولكن هذا الاختيار، والذي يسمى بالبحث التفاعلي، يمثل مشكلة للباحث المهتم بالحركة الإسلامية، خاصة إذا كان قبطيا، وكان باحثا منحازا للهوية الحضارية الإسلامية، ويراها أنها موجودة في
الواقع وفي الوعي الجمعي للمجتمع، بمختلف مكوناته، حتى وإن لم ترى بعض تلك المكونات ذلك، واعتبرت وعيها الجمعي ممثلا لهوية مصرية خاصة، مثل الجماعة المسيحية في مصر. فرغم أن هوية الجماعة المسيحية في مصر، والتي
تتمثل في قيمها العليا لم تتغير، وقت أن كانت ترى الترابط بين هويتها وهوية المجتمع المسلم، إلا أنها أصبحت تصر على أن تلك القيم ليست عربية ولا إسلامية، رغم أنها هي نفس القيم السائدة لدى الجماعة المسلمة، والتي ترى
فيها الجماعة المسلمة، أنها قيم المرجعية الحضارية العربية الإسلامية.
لذا كنت ومازلت أتصور، أن التفاعل مع قضايا المجتمع، من أجل تحقيق المستقبل الذي يراه المجتمع ويريده، هي مهمة الباحث الذي يوجه بحثه من خلال القيم الحاكمة للمجتمع، ومن خلال الغايات العليا التي يتفق عليها المجتمع،
دون أن يفرض تصورات على المجتمع من خارجه. وكنت ومازلت أتصور، أن التفاعل مع الشأن العام من مهمة الباحث، وعليه إذا أراد أن يظل باحثا، ولا يتحول إلى فاعل سياسي، أن يبقى متفاعلا مع القضايا العامة، وحاضرا
في تلك القضايا. ويصبح متفاعلا مع المجال العام، ولكن كباحث فقط، وكنت أرى أن تلك المهمة ضرورية للبحث العلمي، ولكل اجتهاد علمي فردي. لذا تصورت، ومازلت، أنه لا يمكن البحث في المسألة الحضارية، دون
التفاعل مع الحركة الإسلامية، والتي تحمل المشروع الحضاري الإسلامي. ولا يمكن معرفة مآل المشروع الحضاري الإسلامي، إلا من خلال دراسة الحركات التي ترفع راية تحقيقه على أرض الواقع، ويصبح البحث التفاعلي وسيلة
مهمة حتى يستطيع الباحث التوصل إلى تصورات قريبة من الواقع، عن الحركة الإسلامية ومسارها ومستقبلها.
ولكن القرب من الحركة الإسلامية يصعب مهمة الباحث القبطي، فمن الأسهل أن يستمر في النظر في القضية الحضارية، دون الدخول إلى مرحلة التفاعل مع الحركة الإسلامية. ومن الأسهل أن لا يكتب عن الحركة الإسلامية، بل
ومن الأفضل له أن يعتبر أن الظاهرة الحركية الإسلامية ليست في مجال تخصصه، لأن كل ذلك يخفف من المشكلة، ويخفف من الضغوط التي يتعرض لها، وأيضا يخفف من المسئولية التي يتحملها بسبب قربه من الحركة الإسلامية.
كما أن البعد عن الحركة الإسلامية، يبعده عن صراعات السياسة، فيتمكن في البقاء في مربع العلم والثقافة، بعيدا عن حسابات السياسة وأثمانها. ولكن ليس دائما الأسهل، أو الأمن هو الأفضل. فالفكرة بغير تطبيق وبغير ربطها
بالتطبيق، تصبح مجرد فكرة يحملها فرد، وتصبح مثل حديث الندوات. ولذلك كان من المهم أن يتفاعل الباحث مع الحركة الإسلامية، وأن يبحث عن الرؤية الحضارية الإسلامية في التطبيق، وأن يتعامل مع كل شروط تلك
الرؤية، بما في ذلك القضايا المعقدة، أو التي تعقد موقفه ليس فقط كباحث، بل كقبطي. لأن التعامل مع الرؤية الحضارية الإسلامية، كما هي متحققة على أرض الواقع، هو اقتراب من المستقبل، ومن الصورة التي يمكن أن تتحقق
بفعل حركة التيار الإسلامي. وبهذا يصبح البحث مرتبطا بالفاعل الرئيس في المشروع الحضاري الإسلامي، وهو الحركة الإسلامية.
ولكن الباحث لم يختار حركة بعينها، ولا تصور أنه بحاجة للقرب من حركة عن أخرى، بل تصور أن عليه أن يتفاعل ويتحاور مع الفاعل الإسلامي والذي يحمل المشروع الحضاري، حسب الظروف التي رتبت العلاقات
والمناسبات، وفتحت أبوابا للتفاعل مع فاعلين من الساحة الإسلامية، وفتحت أبواب الحوار مع العديد من الإسلاميين من تيارات مختلفة، واقترب الباحث في فترات مختلفة من تجارب إسلامية، ومن حركات إسلامية مختلفة، ومن
الرموز الفكرية والحركية الإسلامية. وهو ما جعل مشروع الباحث يشمل محاولة فهم المشروع الحضاري الإسلامي، واكتشاف أبعاده المجتمعية، وأثره على مختلف مكونات المجتمع، وأيضا ربط ذلك بواقع الحركة الإسلامية، وما
تحققه بالفعل، حتى تتشكل رؤية متكاملة عن المنظومة الحضارية الإسلامية، والحركات المنتمية لها.
وتصورت أنه من المهم التوصل إلى النموذج المفسر لقيام وسقوط الحضارات، والنموذج المقارن للحضارات، والتحليل التفسيري للقيم والمفاهيم، لأن كل هذا يمكن الباحث من التعرف على تكوين المشروع الإسلامي، وبناءه
الداخلي، حضاريا واجتماعيا وتطبيقيا، وأيضا معرفة بنية الحركات الإسلامية، وهو ما يساعد على استشراف المستقبل. ولكن القرب من الحركة الإسلامية، يعني القرب من مشكلات السياسة وصراعاتها. ومن يقترب من
السياسة، حتى وإن كان باحثا، يجد أمامه العديد من المشكلات التي تعيق مهمته كباحث، وتدخله رغما عنه في صراعات السياسة، ليس فقط مع القوى المناوئة للتيار الإسلامي، ولكن بين القوى المختلفة داخل التيار الإسلامي
العريض، أو حتى الاتجاهات المتباينة داخل التنظيم الواحد. فغالبا ما يرفض الكثير من الحركيين، قبول الموقف الحيادي للباحث من اختلافات أو صراعات السياسة، أو يطلب منه أن يكون بلا تأثير على اختلافات الفرق
والاتجاهات، فإذا كان لتصوراته أثرا على خلافات المختلفين، أصبح طرفا رغما عنه في صراعات السياسة. ورغم شراسة المعركة مع التيار الإسلامي من قبل خصومة، فإن معارك الداخل الإسلامي تكون صعبة في كثير من
الأحيان.
___________________________________________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (5)
د. رفيق حبيب | 01-09-2010 00:51
عندما يتفاعل الباحث ويتحاور مع الحركة الإسلامية، يتاح له النظر في كيفية تحقق الفكرة الحضارية الإسلامية على أرض الواقع، والنظر في مناهج الحركات الإسلامية في تحقيق غايتها. وبهذا تكتمل الصورة أكثر، فكل فكرة لها
أسسها الخاصة بها، ولكن كل فكرة في التنفيذ تتشكل ملامحها تبعا للظروف والمتغيرات المحيطة بها. والحركة الإسلامية لا تقدم الفكرة الحضارية على المستوى النظري، ولكن تقدمها عمليا، مما يجعل مواقف الحركات الإسلامية، لا
ترتبط فقط بالفكرة التي تنتمي لها، بل ترتبط أيضا بالظروف والعوامل والمتغيرات التي تتفاعل معها. وهناك بالطبع مساحة بين الفكرة وتطبيقها، لأن كل تطبيق يمثل محاولة لتحقيق الصورة المثالية، ولكن كل تطبيق أيضا يقترب
بدرجة أو أخرى من تلك الصورة، فالتطبيق يمثل محاولة لبلوغ كمال الغاية المرجوة، ولكنه يظل محاولة بشرية ونسبية.
وكثيرا ما كان البعض يرى أن الفكرة الإسلامية الوسطية، هي فكرة نظرية، قد لا تتحقق على أرض الواقع بنفس تحققها على صفحات الرأي والفكر. فمع كثرة الهجوم على المشروع الإسلامي، تشكلت صورة سلبية عن
تطبيقات الفكرة الإسلامية لدى الحركة الإسلامية، عند فئة من الناس. لهذا تمثل العلاقة التفاعلية بين الفكرة والتطبيق، فرصة مهمة للباحث للنظر في طبيعة الواقع المحيط بالفكرة، وكيفية تأثير الظروف المحيطة بالحركات الإسلامية
عليها.
لكن موقف الباحث قد يختلف في لحظة تاريخية عن موقف القبطي، فالباحث المتخصص يرى أن دوره ينحصر في فهم وتحليل الظاهرة، ووضع الإطار النظري المفسر لها، مما يساعد القارئ والمتابع على فهم الظاهرة الإسلامية. لذا
يبتعد الباحث عن دور الفاعل السياسي في أحيان كثيرة. وكاتب هذه السطور كباحث، كان يرى أن دوره ينحصر في مهمة البحث، ولا يمتد إلى دور الفاعل السياسي. ولكن كاتب هذه السطور كقبطي، كان يرى أهمية تقديم
نموذج لما يمكن أن يتحقق من توافق بين المسلم والمسيحي على برنامج عمل اجتماعي وسياسي، يخدم القيم المشتركة بينهما، والتي تشكل المرجعية الحضارية للمجتمع المصري، والتي تعبر عن طبيعة المجتمع، كمجتمع شرقي محافظ
متدين، يحمل الهوية الحضارية الإسلامية.
وكما يفرض الباحث على القبطي الالتزام بحقائق الواقع الاجتماعي والحضاري للمجتمع المصري، بغض النظر عن حسابات السياسة والصراعات الاجتماعية والدينية في المجتمع، كذلك فرض القبطي على الباحث أهمية خوض
تجربة المشاركة في مشروع سياسي إسلامي، لتقديم نموذج يكشف إمكانية بلورة رؤى سياسية مشتركة تعبر عن المسلم والمسيحي المحافظ، داخل إطار المرجعية الحضارية الإسلامية. خاصة وأن المجتمع المصري، مجتمع محافظ،
والأغلبية المسلمة والمسيحية محافظة أيضا. وهنا جاءت تجربة المشاركة في حزب الوسط.
فقد كان القبطي مستعدا لخوض التجربة مؤهلا نفسه لها، وكان الباحث أيضا يميل للبحث التفاعلي مع الحركة الإسلامية. لذا عندما جاءت تجربة حزب الوسط، وافق الباحث على الاشتراك في تأسيسه منذ اللحظة الأولى،
فالتجربة مهمة وتمثل مشروعا سياسيا إسلاميا، يقوم على تأسيسه أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، في ذلك الوقت. فهي تجربة بهذه المعايير مهمة، لأنها صادرة من قلب حركة إسلامية كبرى، وتقدم تصورا سياسيا مستمدا من
المرجعية الإسلامية. فكانت التجربة ضرورة، رغم كل الأثمان التي دفعت فيها. لأنها محاولة للبحث عن تلك القيم المشتركة بين المسلم والمسيحي، في تجربة تطبيقية على الأرض. وبهذا يصبح للأفكار صورا تطبيقية، وتتحرك
الكلمات على الأرض في تجربة عملية. ولم تكن مشاركة الباحث والقبطي أيضا، رغبة في ممارسة دور سياسي، أو التحول إلى دور الفاعل السياسي، ولكن رغبة في تقديم نموذج يؤكد الفكرة عمليا. لذا كان التحول إلى دور
المشارك السياسي، هو تحول مؤقت في كل الأحوال، وله غرض محدد، وينتهي بانتهاء الغرض منه.
لكن تجارب السياسة ليست مثل تجارب الفكر والبحث، فهي تجارب متفاعلة على الأرض، وفيها من الأحداث المتلاحقة ما يؤدي إلى تغير الأحوال من لحظة إلى أخرى. فلم تكد التجربة تبدأ، حتى بدأ الخلاف بين جماعة الإخوان
المسلمين ومجموعة الوسط من أعضاء الجماعة. ولم يكن الباحث طرفا فيها، ولم يكن مشاركا فيها، ولم يكن يعلم خلفياتها، في لحظة ظهورها، وإن كان علم قصتها بعد ذلك. ولا يهم كل تفاصيل القصة في هذا المقام، ولكن يهم
موقف الباحث القبطي، الذي خرج على القواعد التي وضعها لنفسه، وشارك في عمل سياسي، ثم يفاجئ بوجود مشكلة بين مؤسسي الوسط وقيادات جماعة الإخوان المسلمين. وعندما تكون في قلب مشكلة لست طرفا فيها
أصلا، تصبح تلك مشكلة.
تصورت في تلك اللحظات أن المشكلة يمكن عبورها، أو يمكن تخطيها وغلق ملفها، ولم أكن طرفا قادرا على التفاعل مع العديد من جوانب المشكلة التي لم تكن كلها منظورة، وإن عرفتها في أوقات متتالية. وظهر واضحا أن
المشكلة مستمرة، وربما تكون بلا حل. وتصورت أن الملف يمكن أن يغلق، بأن يأخذ كل طرف قراره المستقل، وتفترق الطرق، وتنتهي الحكاية. ولكن الصدام كان يتدحرج ككرة الثلج، ولم يكن هناك مخرجا من تلك الحالة. وبعد
استقالة مؤسسي الوسط من الجماعة، كنت أتصور أن تكون تلك هي النهاية، فيتوقف كل الأطراف عن خوض المعركة وتقف المواجهة، ولكنها استمرت. كان الهجوم الصادر من مؤسسي الوسط على جماعة الإخوان يعقد
موقفي، وكان قرار الجماعة بسحب التوكيلات الصادرة من أعضاء الجماعة لوكيل المؤسسين، وتقديمها أمام المحكمة، يحرج موقفي كثيرا.
فالغرض كان التأكيد على إمكانية صياغة مشروع سياسي إسلامي جامع، يعبر عن المسلم والمسيحي، أو بعض المسلمين وبعض المسيحيين، ولكن مسار المواجهة الحادثة بين الوسط والإخوان، كان يمثل ظرفا طارئا يجب التعامل
معه. لذا رأيت أن البقاء في الوسط مهم، بعد خروج قياداته من الإخوان، بل ورأيت أن الاستمرار في التجربة الثانية، والتي مثلت تجربة مستقلة بالكامل عن جماعة الإخوان المسلمين، مهما أيضا. كان من المهم أن يؤكد القبطي أنه
ناصر المشروع وهو خارج من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وناصره وهو مشروع مستقل بالكامل عن الجماعة، وأن الفكرة قابلة للتطبيق بصور وأشكال مختلفة. ولم يتغير موقف الباحث من جماعة الإخوان المسلمين أو الحركة
الإسلامية عموما، لأنه ليس طرفا حركيا بين الأطراف الأخرى، بل ظل الباحث يرى أنه يمثل حالة بحث تفاعلي مع الحركة الإسلامية، وأن تجربة الوسط تقع في هذا الإطار، رغم أن التفاعل فيها وصل إلى حد المشاركة.
ولكن كانت مشكلة الباحث ومازالت، أن يظن أنه مع طرف في مواجهة طرف آخر، وهذا ليس اختياره، وليست وظيفته أيضا. فتلك مواقف الفاعل السياسي، والذي ينحاز لطريق في مواجهة طريق آخر، أما الباحث فينحاز
للمرجعية التي يستند لها في بحثه، ولكن لا ينحاز لهذا الفريق أو ذلك. ولكن في عالم الفعل السياسي، لا يقبل الكثيرون أن تقول أو تفترض أنك غير منحاز، بل لا يستطيع أن يرى البعض أنك غير منحاز. ففي السياسة، ينظر
للكل على أنه منحاز سياسيا وحركيا، فحتى إن كنت باحثا غير منحاز، ولست طرفا في اختلافات الحركات الإسلامية وصراعاتها، فينظر لك في النهاية على أنك منحازا أو يجب أن تكون منحازا، فلا توجد مسافة للحياد بين
المتخاصمين سياسيا أو حركيا، وتلك مشكلة يعاني منها الباحث، وهي جزء من حياة الحركي أو السياسي.
وبعد المشاركة في التجربة الأولى لحزب الوسط والتجربة الثانية، وبعد صدور قرار لجنة الأحزاب برفض الحزب ثم رفض المحكمة لتأسيس الحزب في المحاولة الثانية، بدأت رحلة الخروج والانسحاب. وقد كان خروجا تدريجيا، فلم
تكن هناك مفاوضات أو طلبات أو اقتراحات محددة يتوقف عليها الاستمرار أو الانسحاب. ولم يكن هذا الانسحاب في لحظة معينة وتاريخ محدد، بل كان انسحابا تدريجيا، بعد نهاية التجربة الثانية، وقبل بداية التجربة الثالثة.
لم يكن الانسحاب صداما و صراعا، فالباحث لا يدخل في صراعات السياسة، ولكن تفرض عليه فقط في بعض الأحيان. وكان الانسحاب ضروريا، حتى يعود الباحث لدوره، لأنه لا يستطيع البقاء كثيرا في ممارسة دور الفاعل
السياسي. وكان انسحاب القبطي ضرورة أيضا، خاصة بعد أن أصبح الوسط يسمى انشقاقا عن جماعة الإخوان المسلمين، فلا يجوز أن تكون مشاركة القبطي الأولى في تجربة سياسية إسلامية، جزءا من انشقاق على حركة
إسلامية، فهو موقف لا يناسب أهدافه، كما أنه ليس طرفا فيه. كانت تلك حسابات الباحث والقبطي، بأن التجربة أوصلت الرسالة المرجوة منها، وأن الانسحاب قد جاء وقته.
ولكن الدخول في تجربة سياسية ثم الانسحاب منها، لا يعفيك من الاستمرار داخل حلقة الخلافات أو المواجهات السياسية. فإذا أردت توضيح موقفك وسبب خروجك أو أن تعلن موقفك من التجارب التالية، فأنت في موقف
حرج، لأنك كنت مشارك سابق. وهو حرج لا يشعر به الباحث عندما يلزم نفسه بنطاق عمله البحثي، ولكنه يصيب الباحث كلما كان باحثا مشاركا ومتفاعلا. وفي كل الأحوال، يمكن القول بأني أرى أن البرنامج الأول (لم
أشارك في كتابته) والثاني (شاركت في كتابته) لحزب الوسط، أقرب لما أتصوره من رؤية سياسية، وأن البرنامج الثالث والرابع، أبعد عن تصوراتي السياسية، مع التأكيد على أني انسحبت من حزب الوسط قبل صدور البرنامج
الثالث.
ولكن الباحث أصبح في لحظة جزءا من تجربة حركية، فأصبحت مواقفه التالية تفسر سياسيا، وهكذا تتعقد الخطوط بين مهمة الباحث المتفاعل، وبين تجربة المشاركة، والتي تضع الباحث في موضع من أصبح طرفا بين فرق مختلفة.
وإلى المقال القادم..
_______________________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (6)
د. رفيق حبيب | 08-09-2010 04:07
أن تكون قريبا من جماعة الإخوان المسلمين بعد أن كنت جزءا من حزب الوسط فتلك مشكلة، لأنك تحركت بين فصائل بينها اختلافات، وأحيانا ما هو أكثر من الاختلاف. ولكن الحقيقة أن موقف الباحث لم يتغير من جماعة
الإخوان المسلمين، بل أن اشتراكه في حزب الوسط كان بسبب معرفته بجماعة الإخوان المسلمين، حيث كان مؤسسوه من أعضاء الجماعة. والمسألة ليست فيها انتقال، فالباحث يمارس تجربة البحث التفاعلي في ضوء ما هو متاح
وممكن، ومعرفة الباحث بجماعة الإخوان المسلمين، وحواره مع بعض أعضائها تمتد لسنوات قبل تجربة الوسط واستمرت بعده، وبداية الحوار المتواصل مع جماعة الإخوان المسلمين، بدأت بعد انسحابه من الوسط بسنوات.
لكن تفسيرات السياسة، تعقد موقف الباحث، وتضيق عليه اختياراته، وهذا لا يعني أن تفسيرات السياسة خطأ. فقد يؤدي موقف الباحث أحيانا إلى تأثير سياسي لا يقصده، وقد يرى البعض أن بعض التصورات والتحليلات التي
تصدر من الباحث، يمكن أن توظف سياسيا أحيانا. كل هذا من توابع الاقتراب من المجال السياسي، ولكن تجربة البحث التفاعلي المحاور مهمة، وهي في حالة الباحث المهتم بالحركة الإسلامية مهمة أكثر، وبالنسبة للقبطي تصبح
أكثر أهمية، لأنه يحتاج للتفاعل المباشر مع رموز وقيادات الحركة الإسلامية، ويعرفهم بصورة مباشرة.
لذا استمر الباحث يرى ضرورة الاستمرار في تجربة البحث التفاعلي، وضرورة التوصل إلى التصورات الشارحة والمفسرة للحركة الإسلامية والمشروع الإسلامي. فالفكرة الإسلامية ومشروعها، تمثل تعبيرا عن الموروث التاريخي،
وبالتالي فهي تمثل المحور الرئيس المشكل للماضي، والذي سوف يشكل الحاضر والمستقبل. ولأن الحضارة الإسلامية هي المرجعية التاريخية للدول العربية والإسلامية، لذا فهي الإطار المرجعي لكل المكونات المشكلة للأمة، وهي
المرجعية الغالبة، والتي يجب أن نحقق من خلالها وحدة أوطان الأمة، ووحدة كل وطن منها.
والباحث عندما يقترب من جماعة الإخوان المسلمين، ويصبح محاورا ومتفاعلا معها، لا يقوم بدور السياسي الذي يحمل منهجا سياسيا ويريد أن يعرضه على الجماعة. فالباحث وظيفته الفهم والتفسير والتحليل، وليس من وظيفته
إصدار الأحكام السياسة. لأن كل ناشط سياسي أو حركي تكون له رؤيته الحركية التي يرى أنها أفضل من الرؤى الأخرى. ولكن الباحث يرصد الرؤى الحركية، ويرى تأثيراتها على الواقع ويحللها، ويحاول أن يعرف مآلها
المستقبلي. وتظل تلك الحقيقة غائبة عن البعض، فالباحث عندما يرصد الواقع لا يصنعه، فهو ليس من صناع الواقع، أما الحركي فهو من صناع الواقع. وهنا اختلاف كبير، بين من يحاول فهم الواقع، ومن يشارك في صنع الواقع.
وعندما يتناول الباحث جماعة الإخوان المسلمين بالبحث والتحليل، يرصد واقعها وموقفها السياسي والاجتماعي، ويرصد رؤيتها ورسالتها، وأيضا منهجها الحركي. لذا فالرصد يكون للواقع القائم، ثم يقاس هذا الواقع على ما
حددته الجماعة لنفسها من منهج، ويقاس على الواقع المحيط بها، ويتم رصد تأثيراته الاجتماعية والسياسية. وهذا الرصد والتحليل، ليس تأييدا ولا معارضة، وليس قبولا ولا رفضا. فالباحث يكون معنيا بشرح الواقعة وتفسيرها،
وليس بتحديد موقف شخصي منها. فالباحث يختار المرجعية التي يستند عليها، وهي كما أوضحت مرجعية المجتمع الذي ينتمي له، والتي تمثل هويته وقيمه، من ثم يصبح منحازا لتلك المرجعية، أما عدا ذلك من الظواهر التي
يتناولها، فهو لا يحكم عليها حكما سياسيا أو ذاتيا، ولا يحكم عليها من خبرته، خاصة وأن خبرته ليست خبرة الممارس الحركي.
وتظهر هنا مشكلة تتعلق بكيفية قراءة ما يتوصل له الباحث من تحليلات وتفسيرات، فقد يرى فيها البعض مدحا أو تأييدا، وهي ليست كذلك، بل هي رصدا للواقع. فرصد ما تعتمده جماعة الإخوان من أساليب ومواقف
وعرضه، يمثل ما توصل له الباحث من مشاهدات، ولكنه ليس تأييدا لأسلوب معين تتبعه الجماعة في مواجهة أساليب أخرى، قد تكون مطروحة. وقد يرى البعض أن من مهمة الباحث، تحديد أنسب الوسائل التي يمكن للحركة
أن تحقق بها أهدافها، وهذا أمر يسهل على الممارس الحركي أكثر من الباحث. فالباحث إذا أراد التفضيل بين أكثر من خيار حركي لجماعة الإخوان المسلمين، سيكون عليه تحديد تلك الخيارات، وحساب تأثير كل خيار منها،
وحساب نتائج كل خيار، ورسم صورة للتوقعات المستقبلية بحسابات دقيقة، حتى يقول في النهاية إن اختيار الجماعة لخيار ما سوف يمكنها من تحقيق أهدافها أكثر من الخيارات الأخرى، حتى تكون خلاصته علمية. وهي عملية
بحثية وحسابية معقدة، قد يتمكن الباحث من حسابها في بعض الحالات، ويصعب عليه حسابها في حالات أخرى. لأن الحسابات العلمية للتوقعات المستقبلية، من أصعب المحاولات العلمية.
وتتعقد المشكلة أكثر، إذا عبر الباحث عن تصوره في قضايا تطرح فيها رؤى مختلفة من داخل جماعة الإخوان المسلمين. خاصة وأن كل تحليل أو تصور يعرض لصورة الواقع، يحمل ضمنا تصويرا وتحليلا له، مما يمكن أن يكون له
ردود فعل، تتعلق ببعض القضايا الداخلية المثارة. والمشاهدة البحثية تتوجه للواقع القائم لفهمه، ولكن هذا الواقع ليس حالة صامتة، بل حالة متفاعلة، بها بعض الجدل أو النقاش، ومن هنا قد يرى البعض أن تصورات الباحث قد
تؤثر على الجدل الداخلي، والذي قد يكون متابعا له أو لبعضه. ولكن المشكلة أن الحركي يتصور أحيانا أن كل فعل أو فكرة تطرح لها علاقة بقضية مثارة، يجب أن تكون جزءا من حالة التفاعل أو المواجهة، ويفترض أنها جزء من
الفعل المواجه له. فالحركي يحاول الانتصار لفكرته غالبا وليس أحيانا، ويرى أن كل فكرة أخرى تختلف عن فكرته، قد تكون خصما من فكرته، لذا يميل أحيانا الحركي للاشتباك مع التصورات، وكأنها أفعال سياسية أو حركية
على الأرض، رغم أنها قد تكون تصورات باحث.
وهنا تبرز قضية مهمة في الفرق بين التفضيل بين المناهج كموقف يأخذه الحركي في حياته وخياراته، وبين التحليل والتقييم للمناهج والخطوات والخطط، في تصور الباحث. فالباحث المتابع لجماعة الإخوان المسلمين، يحاول معرفة
منهجها، ثم يحدد تصورها عن الخطوات المستقبلية، مما يساهم في فهم اختيارات الجماعة الممكنة في المستقبل. وكل تصورات الباحث ترتبط أساسا بمعيار منهج الجماعة المعتمد ورسالتها المختارة، بحيث يستطيع معرفة اختيارات
الجماعة الحركية في ضوء خيارات الحركة. ومعنى هذا، أن الجماعة إذا غيرت من بعض اختياراتها، وتبنت اختيارات أخرى، سيكون من الضروري تحليل موقفها على معيار اختيارها الجديد. ويمكن للباحث بالطبع وضع تصوراته
عن خيارات الجماعة المستقبلية المتوقعة، وعن المواقف التي سوف تتبناها في المستقبل.
وكل هذا يعمق تصورات الباحث، بما يتيح له في النهاية طرح رؤية إستراتيجية تشرح الأوضاع الراهنة، وتطرح سيناريوهات المستقبل، وتقيس التوقعات وتختبر الخيارات. ولكنه بهذا لن يكون مثل الحركي الذي يتبنى منهجا معينا
وينحاز له، بل سيكون مثل القياس الذي يختبر الرؤى والتصورات المنهجية المطروحة.
وكاتب السطور يرى من خلال ملاحظاته ودراسته، أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل حركة محورية في التيار الإسلامي، وأنها رافعة رئيسة لمشروع النهوض الحضاري الإسلامي، وتلك خلاصة للبحث والدراسة، وهي بهذا واقع يراه
الباحث، وليست موقفا عاطفيا. ويظل ما يكتبه الباحث عن جماعة الإخوان المسلمين، يستهدف الفهم والرؤية الواضحة، والتي تطرح على القارئ واقع الجماعة، أما المدح والذم، فهي من لوازم الحركي والممارس السياسي، والذي
ينحاز لجماعة أو لاختيار، ويمارس دوره بناءا على هذا الانحياز.
ولكن الباحث القبطي المتفاعل مع الحركة الإسلامية، لا يمكنه رصد الحركة الإسلامية، دون رصد لأسس المشروع الحضاري الإسلامي، فيجد نفسه يحلل الرؤى الحضارية الإسلامية المختلفة، فيقع بين المختلفين حول الرؤى
والأفكار، ويصبح كمن يدخل طرفا بين المتهمين بالجمود والمتهمين بالمهادنة، وتلك مشكلة أخرى.
___________________________________________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (7)
د. رفيق حبيب | 15-09-2010 00:03
لا يمكن دراسة الظاهرة الإسلامية، دون دراسة الحضارة الإسلامية، ومعرفة قيمها المركزية وأسسها ومبادئها وملامحها الخاصة، وركائزها المحورية، والتي تميزها عن غيرها من الحضارات، ومعرفة ما هي الأسس التي لا تقوم بدونها
الحضارة الإسلامية، والرؤية الإسلامية. وهذا ما يدفع للبحث حول الثابت والمتغير، والبحث في الفروق بين الرؤية المركزية والرؤى المتشددة وتلك المرنة. وهي مسألة ليست سهلة على الباحث، فما بالك إن كان قبطيا. والباحث
ليس مفتيا أو عالم دين، وإن كان يحق له أن يكون، أما إذا كان الباحث قبطيا، فلن يكون إلا باحثا.
والباحث الاجتماعي عندما يدرس حضارة، فهو يدرس الجانب المتحقق تاريخيا وواقعيا. فالحضارة تتحقق داخل جماعة بشرية، وقيمها وأفكارها المركزية تتحقق أيضا داخل الوعي الجمعي لتلك الحضارة البشرية. وفي كل الأحوال،
فإن الحضارة بوصفها قيما ومبادئ وأحكام، توجد في الوعي الجمعي للشعب أو الأمة التي تحمل هذه الحضارة. وعندما يدرس الباحث الحضارة الإسلامية، فهو يدرس بنية تلك الحضارة المتحققة تاريخيا، والمستمرة في الوعي الجمعي
للأمة، وفي الرؤى التي تحملها الحركات التي تحمل رسالة تلك الحضارة. ومن خلال تلك الدراسة، يتوصل الباحث إلى أسس الحضارة الإسلامية، وقيمها ومبادئها وأحكامها كما أمنت بها الأمة وحققتها، وكما توجد في الوعي
الجمعي لها، والذي يحرك سلوكها ومعارفها واختياراتها. وهو مدخل يختلف عن مدخل الفقيه أو عالم الدين، والذي يستمد أسس المشروع والرؤية الإسلامية من النص المقدس.
ومن الضروري للباحث التوصل في النهاية إلى الخصائص المركزية التي تميز الحضارة الإسلامية عن غيرها، وبالتالي التي تميز التصور السياسي الإسلامي عن غيره. ومن هنا تتبلور الركائز التطبيقية الأساسية للمشروع الإسلامي. ثم
تتضح فكرة النظام السياسي، ودور الدولة في المرجعية الإسلامية. وهو ما يفتح بابا مهما أمام الباحث، حيث يستطيع بعد ذلك معرفة المآل الذي يمكن أن يصل له المشروع الإسلامي في التطبيق، ثم يمكنه معرفة مآل التفاعل بين
التيارات المختلفة داخل تيار الصحوة الإسلامية، والتي تحمل تصورات متباينة. وهو ما يسمح بمعرفة مسار حالة التفاعل داخل التيار الإسلامي، وتأثير ذلك على قدرته على تحقيق مشروعه، والكيفية والصورة التي يمكن أن يحقق
بها مشروعه.
ومن لوازم البحث في التصورات الاجتماعية والسياسية الإسلامية، أن يحدد الباحث الأفكار الرئيسة الممثلة لما هو سائد في التيار الإسلامي. ومن تلك الأفكار يتم معرفة التيار السائد والغالب، داخل التيار الإسلامي. ولتحديد
التيار السائد أهمية خاصة، حيث أنه يتيح تحديد مقياس للتصنيف بين التيارات الإسلامية المختلفة، لتحديد أي تيار منها يقع في الموضع المتوسط على المقياس، وأي تيار منها يمثل الأغلبية، أو يمكن أن يكون تيارا سائدا، مما يجعله في
موضع متوسط على المقياس، وبما يسمح بمعرفة موضع التيارات الأخرى على هذا المقياس. وهو ما يتيح تصنيف روافد التيار الإسلامي، ومعرفة تطورات اتجاهاته المختلفة، وتحولاته المستقبلية.
ومن هنا يدرك الباحث التيار السائد في الحضارة الإسلامية، والمعبر عن جوهرها، والممثل لما تم التوافق عليه عبر التاريخ، وبين أغلبية الأمة. فيستطيع الباحث رسم صورة التيار السائد داخل المنظومة الإسلامية، ومعرفة الأسس
التي شكلت القيم والمبادئ والأحكام المركزية لهذه المنظومة.
وبهذا يتمكن الباحث من تصنيف التيارات الإسلامية، ليحدد التيارات التي تقع في الوسط وتلك التي تقع في يمين الوسط، ويفترض أنها التيارات الأكثر منه تشددا أو التزاما أو تقليدية، ويحدد بالتالي التيارات التي تقع على يسار
تيار الوسط، والتي يفترض أنها أكثر مرونة أو توفيقية أو تحديثا. ولكن المشكلة التي تواجه الباحث في كيفية تسمية تلك التيارات، دون أن تعتبر التسمية موقفا سياسيا أو دينيا، أو تعتبر موقفا يؤيد تيار على حساب تيار آخر. وفي
اللغة العلمية مثلا، تستخدم كلمة التطرف لوصف التيارات الأقل انتشارا والتي تمثل الأقلية، ولا تمثل التيار السائد أو الغالب، ولكن تعبير التطرف أصبح محملا بدلائل سياسية ودينية.
وبالنسبة للباحث، فهو يرصد تيار الوسط أو التيار الغالب من خلال الواقع، فإذا تحول الواقع وأصبح أكثر التيارات تشددا أو تطرفا والذي كان يمثل الأقلية، أصبح يمثل الأغلبية، فعلى الباحث أن يعتبره تيار الوسط بالمعنى
الإحصائي والعلمي. لذا فالباحث مقيد بالواقع الذي يدرسه، في حين أن الفقيه أو عالم الدين مقيد بالنص المقدس الذي يدرسه ويفسره، ويقدم فيه اجتهاده الخاص. لذلك يجد الباحث مشكلة في تصنيف التيارات الإسلامية، ويجد
مشكلة أكبر في تحديد بعدها أو قربها عن التيار السائد في الحضارة الإسلامية. فليس كل فكرة أو رؤية تمثل بنية الحضارة الإسلامية بنفس الدرجة، فبعض الرؤى تبتعد عن القيم المركزية للحضارة الإسلامية، وبالتالي لا يمكن النظر
لها بوصفها تعبيرا عن الحقيقة التاريخية لتلك الحضارة، لأنها تختلف مع الملامح المركزية الأساسية لتلك الحضارة. وفي نفس الوقت، فإن الباحث المتابع لمسيرة الحضارة الإسلامية، يعرف ثوابت تلك الحضارة كما يعرف متغيراتها.
فالثوابت هي تلك القيم والغايات والمبادئ والأحكام، التي مثلت الملمح الرئيس المستمر للحضارة الإسلامية، والثوابت هي السمات المتواصلة المستمرة، وهي القيم العابرة للزمان والمكان. ومن يستطيع تحديد الثوابت المتحققة،
يعرف بالتالي المتغيرات. وبالتالي يستطيع الباحث التمييز بين الرؤى المختلفة المطروحة على الساحة الإسلامية، ومعرفة موقعها من الخط الرئيس للحضارة الإسلامية.
وعندما يكون الباحث له خبرة تفاعلية مع الحركة الإسلامية، وشارك في المحاولة الأولى والثانية لحزب الوسط، وتفاعل حواريا مع جماعة الإخوان المسلمين، فكيف له أن يضع تصنيفاته للوسط والإخوان. فهنا سوف يعتبر كل ما
يقوله داخلا في دائرة المواجهة أو الخلافات السياسية والفكرية بين الإخوان والوسط. وتلك مشكلة يعاني منها الباحث، لأنها تحد من قدرته على التعامل علميا مع الظاهرة، دون أن يكون طرفا في مواجهة سياسية أو تنظيمية.
وتصنيفات الباحث ليست حكما سياسيا أو دينيا أو فقهيا، بل هي تصنيفات علمية، تستخدم لتلخيص التنوعات بين التيارات، مما يمكن من دراستها ومعرفة تطورها.
فكيف يصنف حزب الوسط والإخوان، بل والتيار السلفي أيضا؟ إن الملاحظة والمشاهدة البحثية، تؤكد على أن حزب الوسط يقع على يسار الإخوان، وأن التيار السلفي يقع على يمين الإخوان، ولكن تسمية وتحديد تلك المواقع
ووضع عنوان لها، يجعل الباحث في قلب صراعات، هو ليس طرفا فيها. مما يعني أن الباحث الذي يريد أن يبتعد عن المواجهات السياسية، عليه أن لا يكون باحثا متفاعلا مع الظاهرة. وتلك مشكلة، خاصة مع أهمية الجانب
التفاعلي للبحث العلمي، خاصة وأن الباحث لا يحاول مجرد تقديم دراسات علمية، بل يحاول التفاعل مع مشكلة المجتمع، بحثا عن مخرج تستعيد من خلاله الأمة هويتها ومرجعيتها.
وخبرة الدراسة العلمية للحضارات، تعرف الباحث طبيعة كل حضارة والاختلافات بين الحضارات، مما يجعله قادرا على تحديد القيم المميزة لكل حضارة، ورصد عمليات التغريب والعلمنة. وتلك قضية مهمة، لأنها تمثل المواجهة
الحضارية التي تواجه الأمة. لأن نهضة الأمة مرهونة في تصوري بمدى قدرتها على إحياء خصوصيتها الحضارية، وكلما تعرضت للتغريب أو العلمنة، باتت أقرب للتبعية الحضارية، وفقدت فرص التقدم.
وفي كل تجربة تتحقق بعض الأهداف، ويصعب تحقيق بعضها، ولكن التجارب تعلم وتكسب الخبرة. ولكن من الضروري أن تستمر محاولة ردم الفجوة بين المسلم والمسيحي من أبناء الأمة الإسلامية، وتستمر محاولة فهم ورصد
واقع الحركة الإسلامية، وفهم طبيعة الحضارة الإسلامية.
انتهى..
_______________________________________________________________________________
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق