الأربعاء، ١٧ نوفمبر ٢٠١٠

برتوكولات قساوسة التنصير د. محمد عمارة

برتوكولات قساوسة التنصير

د. محمد عمارة   |  16-11-2010 00:37

في 15 مايو سنة 1978م عقدت الكنائس البروتستانتية الأمريكية أخطر المؤتمرات التي خططت لتنصير المسلمين ـ كل المسلمين ـ ولطي صفحة الإسلام من الوجود !!.

ولقد عقد هذا المؤتمر بمدينة " كلن إير" بولاية " كولورادو" بالولايات المتحدة الأمريكية ـ في ذكرى قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين ـ !.

وفي هذا المؤتمر ـ الذي حضره 150 من كبار القساوسة والمنصرين المحترفين، وعلماء العلوم الاجتماعية والإنسانية، والذي ناقش أربعين بحثًا ونشرت أبحاثه ومناقشاته وتوصياته وقراراته في سفر قاربت صفحاته ألف صفحة ـ بعد حذف الموضوعات الأكثر حساسية ـ !.. تم نقد المخططات القديمة للتنصير، ورسم المخططات الجديدة التي تدعوا إلى اختراق القرآن والإسلام ـ "في صدق ودهاء"! ـ وفق تعبيرهم ـ ليتم التنصير من داخل الإسلام والثقافة الإسلامية.. بواسطة المنصرين العرب !!.. وبالاعتماد المتبادل على الكنائس المحلية في البلاد الإسلامية والعمالة المدنية الأجنبية العاملة في الشرق الأوسط ـ بعد تدريبها على التنصير ـ !!.

ولقد جاء عن الإسلام ـ في "برتوكولات" قساوسة التنصير ـ الذين عقدوا هذا المؤتمر: "إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تناقض مصادره الأصلية أسس النصرانية ..وإن النظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتنافسة اجتماعيًا وسياسيًا ـ إنه حركة دينية معادية للنصرانية مخططة تخطيطًا يفوق قدرة البشر ونحن بحاجة إلى مئات المراكز، تؤسس حول العالم، بواسطة النصارى للتركيز على الإسلام وتوصيل فهمه إلى المنصرين من أجل اختراق الإسلام في صدق ودهاء".

ولقد بلغ من طموحهم ـ أو طمعهم في اختراق الإسلام والتنصير من داخله، حد الحديث عن ضرورة التنصير من خلال القرآن الكريم، وذلك يصب المضامين النصرانية في أوعية المصطلحات القرآنية مثل مصطلحات "روح الله" و"كلمة الله". وتحدثت هذه البرتوكولات عن التنصير بواسطة الكنائس المحلية في البلاد الإسلامية والعمالة المدنية الأجنبية التي تصل نسبتها إلى المنصرين الرسميين 100 إلى 1 والحديث عن "زرع النصرانية" في الطلبة المسلمين الذين درسوا في المجتمعات الغربية في بيئة غير إسلامية.. كما تحدثوا ـ بصراحة فاقت الوقاحة ـ عن استغلال الكوارث التي يصنعها الغرب في العالم الإسلامي والتي تخل بتوازن ضحاياها من المسلمين من اللاجئين والمشردين ضحايا الحروب والصراعات الطبقية والقبلية والطائفية فيتقبلون "النصرانية" التي تقدم إليهم مقترنة بكسرة الخبز وجرعة الدواء!.

كذلك ركزت "برتوكولات قساوسة التنصير" على ضرورة اختراق المجتمعات الإسلامية من خلال المرأة المسلمة على وجه الخصوص حتى لقد قالوا "..إن النساء هن المفتاح لزرع الكتاب المقدس في المجتمعات الإسلامية"!.

وفى هذا المخطط ـ المرسوم للتنصير من خلال المرأة ـ تحدثوا "عن إنشاء المدارس لتعليم النساء وفق النموذج الغربي وعن "ضرورة الهرب من الصراع المباشر بين الكتاب المقدس والقرآن .. والتركيز بدلا من ذلك ـ على عوالم السحر والشياطين والعفاريت التي تؤمن بها النساء .. وذلك لتقديم المسيح بديلاً نصرانيًا للتأثير الشيطاني الذي يهاجم النساء وخاصة في المجتمعات الإسلامية"!.

هكذا خطط قساوسة التنصير، في المؤتمر الذي قالوا عنه: إنه واحد من المؤتمرات التى ستغير التاريخ!!.

والجدير بالذكر .. والمثير للانتباه .. والداعي إلى اليقظة والحركة أن كل وقائع التنصير القائمة بين المسلمين هي تطبيق دقيق لبرتوكولات هذا المؤتمر ـ منذ انعقاده ـ وحتى هذه اللحظات!

مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية د رفيق حبيب

مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية (1)

د. رفيق حبيب | 21-09-2010 23:50

يمكن النظر إلى العلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر، باعتبارها قضية تخص الجماعة الوطنية المصرية، وتشكل حالة هذه الجماعة، ومدى تماسكها أو تفككها، ولكن يمكن النظر إلى هذه العلاقة أيضا، من خلال الوضع في الإقليم

العربي والإسلامي، ودور في مصر في إقليمها، سواء في الحاضر أو في المستقبل. والفرق في مستوى التحليل له علاقة بالعوامل التي سوف تحسم تلك العلاقة، أو تشكل مصيرها. فالناظر إلى العلاقة بين المسلم والمسيحي في السياق

المصري، يحاول الكشف عن أسس تلك العلاقة وما أصابها من مشكلات أو أزمات، والناظر لهذه العلاقة في السياق الإقليمي، سيرى مدى تأثير تلك العلاقة على موضع مصر، وبالتالي مدى تأثيرها على المنطقة العربية والإسلامية.

وكل مستوى له أهميته، والغالب أن المستوى المحلي الوطني يمثل جزءا من المشهد الإقليمي، والذي بدوره يمثل الصورة المتكاملة. فالعلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر، هي جزء من مشكلات العلاقة بين مكونات الأمة الإسلامية،

والتي تسهم بدور ملحوظ في تشكيل مستقبل الأمة ومسارها الحضاري والتاريخي.

فالأمة الإسلامية تواجه تحديات وجودية تتعلق بتحقيق وحدتها، بعد أن تعرضت لعملية تفكيك منظم عبر عدة عقود بفعل التدخل الخارجي والعوامل الذاتية. لذا أصبحت الأمة تواجه تحدي استعادة وحدتها من جديد، لأن تلك

الوحدة كانت سببا مهما في قوتها ونهضتها في المراحل التاريخية السابقة، فأصبحت وحدة الأمة هي العنوان الأول لبداية مرحلة النهوض واستعادة الدور الحضاري للأمة. فكل المؤشرات تدل على أن الأمة الإسلامية تحقق نهضتها

بعد أن تحقق وحدتها، وأن وحدة الأمة الإسلامية أساس مهم في بنيتها وهويتها. ومادامت وحدة الأمة، تمثل غاية مركزية، لذا تصبح وحدة المجتمعات المشكلة للأمة، جزءا من وحدة الأمة. فإذا تحققت وحدة مجتمعات وأوطان

الأمة، فإن ذلك يمهد لوحدة الأمة الإسلامية السياسية.

ولكل وطن من أوطان الأمة دور مهم في حياتها، وتختلف أدوار الأوطان تبعا لموقعها وموضعها، ومصر لها دورها المهم في تاريخ الأمة الإسلامية، وهو دور له مميزاته الخاصة. فيمكن القول: أن الأمة الإسلامية لا يمكن أن تحقق

وحدتها دون أن تكون مصر جزءا من تلك الوحدة، ولا يمكن أن تهيمن أي قوى أجنبية على العالم العربي والإسلامي دون أن تهيمن على مصر، ولا يمكن أن يسود مشروع سياسي في العالم العربي والإسلامي، دون أن يسود في

مصر، ولا يمكن أيضا أن يتحقق المشروع الإسلامي ويحكم العالم العربي والإسلامي، دون أن يحكم مصر.

لذا فمصر تمثل موضعا مركزيا في مشروع وحدة الأمة الإسلامية، وفي مشروع بناء المرجعية الحضارية الإسلامية والنهضة الإسلامية والدولة الإسلامية. وحتى يبنى المشروع الإسلامي وتتحقق وحدة الأمة الإسلامية، يجب أن تكون

مصر جزءا من هذا المستقبل، وبدونها يصعب تحقيق ذلك. قد يأتي دور مصر أولا، أو في مرحلة من المراحل، أو حتى في نهاية تلك المراحل، ولكنه يجب أن يأتي، وهذا ما يكشف عنه التاريخ في تصوري.

وفي مصر توجد أزمة، في العلاقة بين المسلم والمسيحي، وحالة احتقان ديني، وأحداث نزاع ديني عنيف. وتلك الحالة تدل على أن الجماعة المصرية فقدت تماسكها، وتعرضت لشرخ اجتماعي وثقافي وحضاري، يؤثر على وحدتها

وتماسكها وقوتها، ويعرضها للخطر. وتتعدد تعريفات تلك الحالة، وكل تعريف قد يعرض لجانب منها، ولكن هناك بالطبع جوانب مركزية. فتماسك الجماعات الوطنية، يقوم على التوافق حول المرجعية والهوية، والتي تمثل الطابع

السائد والتيار الغالب، ومنها تتحدد القضايا الوطنية، والمواقف المجمع عليها، وتتشكل الغايات النهائية والأهداف العليا، ومنها أيضا تتحدد القيم العليا التي تحكم النظام الاجتماعي ويفترض أن تحكم النظام السياسي، ومنها كذلك

يتحدد الانتماء الثقافي والحضاري. فلا توجد جماعة وطنية متماسكة، دون أن تكون متوافقة على هويتها، وتعرف قيمها العليا، والمبادئ التي تلتزم بها، فكل تلك العناصر تشكل النظام العام الذي تلتزم به الجماعة الوطنية، ويفترض

أن يلتزم به النظام السياسي. وبدون وجود توافق حول نظام عام، لا يمكن قيام جماعة وطنية، ولا يمكن أيضا تحقيق الاجتماع البشري، لأن الاجتماع البشري المنشئ للمجتمعات، يقوم على توافق مجموعة من البشر حول نظام عام

وقيم عليا وغايات ومبادئ، ومن هذا الاتفاق ينشأ المجتمع.

وفي مصر توجد أزمة في العلاقة بين المسلم والمسيحي، وتلك الأزمة ترتبط في جانب مهم منها، بتعريف الهوية والمرجعية الحضارية. فقد حدث في مصر انشقاق في الوعي بالهوية بين الجماعة المسلمة والجماعة المسيحية، وهو ما أدى

إلى جانب عوامل أخرى، إلى حدوث نزاع ديني واحتقان وتوتر في العلاقة بين المسلم والمسيحي. فأصبحت التوترات الحادثة تنتج من خلاف في تحديد الهوية، فأصبحت خلافات بين جماعات مختلفة في الهوية، مما عمق الأزمة، وفتح

الباب أمام استمرار التوتر والتصعيد.

وأزمة الهوية ترتبط ارتباطا مباشرا بمستقبل الأمة الإسلامية، لأنها ترتبط بمسألة وحدة الأمة الإسلامية، كما ترتبط بالمرجعية الحضارية لها. فإذا كان اختيار الأمة الإسلامية هو التمسك بمرجعيتها الحضارية الإسلامية، فإن الجماعة

المسيحية في مصر قد عزلت وفصلت نفسها عن تلك المرجعية، وإذا كان اختيار الأمة الإسلامية هو تحقيق الوحدة الإسلامية، فإن الجماعة المسيحية في مصر فصلت وعزلت نفسها عن الهوية الإسلامية، واعتبرت أن هويتها مصرية

خالصة. لذا فكل مشاريع الوحدة الإسلامية، أو مشاريع استعادة الهوية الإسلامية كمرجعية للنظام العام، وكل محاولات تحقيق المشروع الإسلامي في المجال السياسي، تصطدم في مصر بموقف الجماعة المسيحية الرافضة لتلك

المشاريع، والرافض للهوية العربية الإسلامية جملة. وكل محاولة لبناء المشروع الإسلامي، وأيضا كل محاولة لتأكيد الهوية الإسلامية في المجتمعات العربية والإسلامية، وكذلك كل محاولة لعلمنة المجتمعات العربية والإسلامية، وأيضا

كل محاولة لفرض النماذج الغربية، تصب في النهاية داخل العلاقة المتوترة بين المسلم والمسيحي. فتصبح الصدامات بين المسلم والمسيحي، جزءا من معارك الأمة الكبرى، وجزءا من المواجهة بين المشروع العلماني والمشروع

الإسلامي، وجزءا من المواجهة بين الحركة الإسلامية والنظم الحاكمة، وأيضا جزءا من المواجهة بين شعوب الأمة الإسلامية والقوى الغربية المهيمنة على المنطقة العربية والإسلامية.

وأزمة الجماعة المسيحية في مصر، ترتبط أساسا بأنها خرجت من الهوية العربية الإسلامية الجامعة، وأصبحت تعمل من أجل هوية قومية مصرية، تفك روابط مصر مع محيطها العربي والإسلامي. وهذا التوجه ظهر في داخل الجماعة

المسيحية في مصر، وبعض الجماعات المسيحية أو غير المسيحية في بعض البلاد العربية والإسلامية، دون أن يكون تيارا سائدا في الأمة، بل على العكس من ذلك، فمع نمو التيار الإسلامي المستند للمرجعية الحضارية والدينية في

مختلف أرجاء الأمة، ليشكل تيارا عاما يقوم على الهوية الإسلامية في مختلف البلاد العربية والإسلامية ومنها مصر، كانت الجماعة المسيحية في مصر تتجه في مسار آخر، قريب من مسار النخب العلمانية والنخب الحاكمة

والمشاريع الغربية، وتبني هويتها على أساس قومي مصري خالص. فأصبحت هوية الجماعة المسيحية تفترق وتبتعد عن الهوية السائدة في المجتمع المصري.

وأزمة الهوية تمثل جزءا أساسيا من أزمة العلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر، فهي وجه من وجوه المشكلة، وربما تكون الوجه الأهم، ومع ذلك فإن الجماعة المسيحية في مصر تتجه إلى تأكيد هويتها المصرية الخالصة ورفضها

للهوية العربية والإسلامية، وكلما تزايدت المشكلات نجد توجها متزايدا نحو فصل هوية الجماعة المسيحية عن الهوية العربية والإسلامية، مما يزيد الفجوة مع الجماعة المسلمة. ومع تزايد تلك الفجوة تزيد المواجهات بين المسلم

والمسيحي، ولكن الجماعة المسيحية تتجه لتعميق تلك الفجوة، رغم أن ذلك يعرضها لمواجهات أشد. وتندفع الجماعة المسيحية في طريق يعرضها لمخاطر كبيرة، وتتصور أنها تحمي نفسها من مخاطر تتعرض لها.

وإلى المقال القادم..
__________________________________________________
مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية (2)

د. رفيق حبيب | 28-09-2010 23:57

ظل الحديث عن عزلة المسيحي عن المجتمع وعن المجال السياسي تتردد، ولكن القضية ليست مجرد حالة عزلة أو سلبية، مثل تلك الحالة التي أصابت غالب الجماعة المصرية، فحالة العزلة قد تكون مجرد سلبية، وقد تكون محاولة للفصل والتمييز وإقامة الجدران العازلة. وتلك تصبح مشكلة أخرى، فالجماعة المسيحية في مصر، منذ بداية مرحلة الإحياء الديني في مصر في سبعينات القرن العشرين، وهي تبني وجودها الاجتماعي داخل أسوار عازلة، تمنع تفاعلها الحر والتلقائي مع محيطها. ويكمن القول: أن مرحلة الإحياء الديني المسيحي قد بدأت في مرحلة الستينات، بصورة أوضح من الإحياء الإسلامي، ومع هذه البدايات كانت الجماعة المسيحية تبني لها وعيا خاصا وموقفا خاصا بها، وتشكل حالة منفصلة عن المجتمع.

والمشاهد لما حدث، يدرك أن حالة الإحياء المسيحي داخل الجماعة المسيحية قد بدأت قبل أحداث العنف الديني، ولم تكن نتاجا لمواجهات حدثت بين المسلمين والمسيحيين، بقدر ما كانت نتاجا لدخول الجماعة المصرية كلها، وربما المنطقة العربية والإسلامية، مرحلة الإحياء الديني. وعندما بدأت تتشكل ملامح الحراك الديني المسيحي، ظهرت الحركات والأنشطة التي تستقطب المسيحيين إليها، وتقيم الجماعة المسيحية الخالصة النشطة. وهنا بدأت المشكلة تتبلور في بناء حالة خاصة، ليست لها علاقة بالمجتمع، ولا تتفاعل معه، بل تبني لنفسها مجتمعها الخاص.

لم يكن خطاب الإحياء المسيحي مدركا لما يمر به المجتمع، ولم يكن يؤسس لعلاقة المسيحي بالمجتمع، ولا بدور حالة الإحياء المسيحي في المجتمع المصري، بقدر ما كان خطاب الإحياء المسيحي يبني حالة مسيحية خاصة، تقوم على هوية الجماعة المسيحية. فغابت أسس العلاقة مع المجتمع، ومعها غابت الهوية المشتركة، وبدأت أزمة الجماعة المسيحية مع الهوية العربية والإسلامية. وبدأت الجماعة المسيحية تتكلم عن أحوال الطائفة، وخصائص الطائفة، ومجتمع الآخرين الذي يحيط بالجماعة المسيحية. ولا يمكن القول أن حالة الجماعة المسيحية كانت رد فعل، ولكنها كانت فعلا يتفاعل مع ما يحدث حوله، ويسير في مساره الخاص.

لذا ظهرت مبكرا حالة بناء وعي جماعة الأقلية العددية في مواجهة الكثرة، وهي حالة تبنى على فرضية الاضطهاد التاريخي، وتثير الحمية الدينية مع الحمية الطائفية، وتبني بهذا جدارا عازلا بين الضحية المفترض والجاني المفترض. والناظر إلى صعود الحركة الإسلامية منذ سبعينات القرن العشرين، ودور الرئيس أنور السادات، يجد أن كل هذه الخطوط كانت متوازية، ولم يكن بعضها فعلا والبعض الآخر رد فعل عليه. فقد كانت الجماعة المسيحية تدخل في مرحلة إحياء ديني منذ أواسط الستينات، وتبني لنفسها هوية منفصلة، وتشكل قناعة تقوم على الشعور بالاضطهاد التاريخي، وتبدأ مرحلة الدخول في المواجهة.

ومنذ وقت مبكر تظهر قضية عدد المسيحيين في مصر، وعندما تبدأ مرحلة العد والإحصاء، تبدأ مرحلة البحث عن حقوق الطائفة، ومعها يبدأ الحديث عن خطورة تنظيم الأسرة على الجماعة الأقل عددا، ويتزايد الاهتمام بتنمية عدد الجماعة وتضخيم هذا العدد، لأن البحث أصبح جاريا عن حقوق طائفة. ولكن هوية الطائفة لا تغيب عن كل تلك المواقف، فالجماعة المسيحية أسست وضعها باعتبارها الجماعة المصرية الأصلية والممتدة بدون انقطاع تاريخي، وبهذا تعود مسألة الهوية، ففي الهوية المصرية ترى الجماعة المسيحية أن لها ميزة تاريخية، أما في الهوية العربية والإسلامية، فتغيب هذه الميزة. ولكن المشكلة ليست فقط في مسمى الهوية، ولكن المشكلة الأكبر في البحث عن التميز الفعلي، ثقافيا واجتماعيا وحضاريا، فالجماعة المسيحية وهي تشكل تلك الحالة من الوعي، كانت تبني لنفسها تصورا مختلفا عن تصورها للآخر، بحيث تصبح مميزة عن الآخر، بصورة تمنع من ذوبان الطائفة في الوطن، بعد أن أصبحت الطائفة هي الوطن البديل، وربما الوطن الأصلي.

يمكن بالطبع البحث عن أثر أحداث العنف التي وجهت نحو المسيحيين، وقد كان لها أثرا بالفعل. ولكن المشكلة إذا تعلقت بأحداث عنف ترتكب في حق الجماعة المسيحية أو أي فرد منها، فإن المشكلة نفسها تنتهي إذا انتهت تلك الأحداث. ولكن إذا صورت أحداث العنف على أنها موجهة من جماعة الأغلبية الكارهة والمعادية لجماعة الأقلية العددية، فإن الصورة تختلف. لأن مع انتهاء أحداث العنف، نجد أن أثرها يظل مستمرا. والغالب في ما يطرح من تصورات داخل الجماعة المسيحية، هو النظر إلى الجماعة الأقل عددا باعتبار أنها ليست الفاعل الأصلي، وأن كل ما تقوم به هو رد فعل. ولكن المتابع لما يحدث في الظواهر الاجتماعية، يدرك أنه لا توجد جماعة كل سلوكها رد فعل، ولا توجد جماعة كل سلوكها فعل، حتى وإن كانت جماعة الأكثرية العددية.

يمكن القول أن رد فعل الجماعة المسيحية على حادثة موجهة ضدهم، يمكن تجاوزه بقدر ما يمكن علاج أسباب أحداث العنف، ولكن فعل الجماعة المسيحية وقرارها الذاتي الخاص بفصل هويتها عن المجتمع، والمحافظة على حالة التميز عن المجتمع، لا يمكن معالجتها إلا بقرار آخر من الجماعة المسيحية، أو المؤسسة الكنيسة التي ترعى مشروع الطائفة السياسية، أو الوطن البديل. فلا يمكن إقامة سلم اجتماعي في مصر، والجماعة المسيحية ترى أنها تختلف عن أغلب المجتمع، وأنها أفضل من الأغلبية العددية، وأنها مهددة بالفناء من قبل الأغلبية، وأنها تمثل الهوية الأصلية للمجتمع المصري، وترى أن الأغلبية العددية، وهي الجماعة المسلمة، غرباء عن أرض مصر. فالقناعة التي تتشكل على مدار عقود داخل جماعة تغلق أبوابها على نفسها، وتحتمي داخل مؤسستها الخاصة، أي مؤسسة المسيحية والطائفة معا، وهي الكنيسة، يصعب أن تتفكك، حتى وإن لم يعد لها سند أو سبب في الواقع.

والجماعة المسيحية مثل أي جماعة قليلة العدد في أي مجتمع، تحقق لنفسها الحماية من خلال اندماجها في المجتمع والتحامها معه. فمن خلال التضامن الاجتماعي والتعاضد والتراحم، يتأسس المجتمع المترابط. وفي المجتمع المصري، مثل المجتمعات العربية والإسلامية، يسود نمط المجتمع الشرقي المتدين المحافظ، وهو النموذج الذي يحقق المجتمع المتراحم، والذي ضم غير المسلم، وضم العديد من الأعراق والطوائف والمذاهب والأديان. فنموذج الترابط بين المسلم والمسيحي، يقوم أساسا على الاندماج والتعايش الاجتماعي، والذي يستند لقيم العيش المشترك التي تأسست في مصر. ولكن تلك الحالة لا يمكن استعادتها من خلف الجدران، ولا يمكن تحقيق تعايش عابر للأسوار. خاصة وأن التعايش يقوم أساسا على تعظيم المشترك، فقيم العيش المشترك، هي القيم الاجتماعية التي تميز المجتمع المصري، وتمثل قواعد التصرف والسلوك الاجتماعي. ولكن بناء الأسوار العالية، والبحث عن التميز، يفشل أي محالة لاستعادة قيم العيش المشترك. ورغم أن مصلحة الجماعة المسيحية ترتبط باستعادة قيم العيش المشترك، إلا أن الجماعة المسيحية مازالت تشيد أسوارها العالية، وتجعل من أسوار الكنيسة حالة تتمدد في وعيها الجمعي، فتجعل الجماعة المسيحية، جماعة خلف الأسوار. وهو ما يعرقل استعادة قيم العيش المشترك، ويعرض الجماعة المسيحية للخطر.

وإلى المقال القادم..
________________________________________________________
مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية (3)

د. رفيق حبيب | 06-10-2010 00:27

تقوم العلاقة بين مكونات الجماعة الوطنية، على التعايش والتفاعل الإيجابي، خاصة في المجتمعات ذات الطبيعة الشرقية المتدينة المحافظة، حيث يكون للخبرة الشخصية والاجتماعية دورها البارز في تأسيس العلاقة الإيجابية بين مكونات المجتمع المختلفة، وحيث يكون لشبكات العلاقات الاجتماعية دورها البارز في تنمية قيم المجتمع، وتعميق المبادئ والقواعد المتفق عليها بين الناس. ففي المجتمع المصري، تؤسس قيم العيش المشترك على التفاعل الإيجابي بين مكوناته، وتراكم الخبرات الشخصية والاجتماعية، التي تؤسس للقواعد المنظمة للسلوك الاجتماعي. حيث تصبح الخبرة المباشرة هي أساس تنمية العلاقات الإيجابية، والمصدر الرئيس للتعارف بين الناس. لهذا تصبح خبرة التفاعل بين المسلم والمسيحي على المستوى الشخصي والاجتماعي، هي المصدر الرئيس لصورة كل منهما لدى الآخر، مما يحدد موقف كل منهما تجاه الآخر.

وفي ظل مجتمع تقوم فيه خبرة التعايش بهذا الدور المركزي، تتأثر العلاقة بين المسلم والمسيحي بأي ضعف يلحق بحجم ومدى وعمق خبرات التعايش بينهما. وكلما تعمقت خبرات التفاعل بين المسلم والمسيحي، تراجعت المشكلات التي تحدث بينهما، وكلما ضعفت خبرات التعايش بين المسلم والمسيحي، تزايدت المشكلات المحتملة بينهما، وتزايدت أيضا احتمالات تكون صور سلبية لدى كل طرف عن الآخر.

وما يحدث لخبرات التعايش بين المسلم والمسيحي، يرتبط بموقف كل منهما، ولكن النظر لموقف الجماعة المسيحية له أهمية في حد ذاته، لأنه يمثل موقف الجماعة الأقل عددا، والتي تتأثر بما يحدث من توتر في العلاقة مع الجماعة الأكثر عددا، أكثر من غيرها. والمتابع لما حدث في مسار حركة الجماعة المسيحية منذ بداية مرحلة الإحياء الديني في سبعينات القرن العشرين، يلاحظ أن الإحياء الديني للجماعة المسيحية لم يكن فقط لجوءا للدين، بل كان أيضا لجوءا للكنيسة. فلم تقتصر عملية الإحياء الديني المسيحي، على استعادة دور الدين في حياة الجماعة المسيحية، بل شملت أيضا استعادة لدور الكنيسة في حياة الجماعة المسيحية، وهو أمر طبيعي إذا أقتصر دور الكنيسة على المجال الديني، ولكن ما حدث أن عملية لجوء الجماعة المسيحية للكنيسة أسفرت عن توسع تدريجي في دور الكنيسة في حياة المسيحي، حتى أصبح لجوء الجماعة المسيحية إلى الكنيسة، لا يقتصر فقط على الجانب الديني، بل يشمل العديد من جوانب الحياة الأخرى.

فلقد توسعت أدوار الكنيسة في العديد من المجالات الاجتماعية والتربوية والرياضية والتعليمية، بصورة جعلت أنشطة الكنيسة تشمل العديد من الأنشطة التي تقوم بها مؤسسات اجتماعية أخرى. وأصبحت الكنيسة توفر للمسيحي مجالا ليمارس العديد من أنشطته الحياتية العادية، والتي لا ترتبط بالمجال الديني، داخل الكنيسة. ولم يكن هذا اختيار الكنيسة فقط، بل كان اختيار الكنيسة والجماعة المسيحية معا. فالكنيسة لا تستطيع إجبار المسيحي على ممارسة النشاط الرياضي داخلها، ولكن لأن المسيحي أراد ذلك، والكنيسة وفرت فرصة لمثل هذا النشاط، حدث تقابل بين توجهات الكنيسة وتوجهات الجماعة المسيحية، مما عمق من عملية توسع نشاط الكنيسة خارج المجال الديني.

لم تكن تلك العملية قاصرة على مجرد ممارسة أنشطة داخل الكنيسة، لأنها حولت الكنيسة لمؤسسة قابضة للجماعة المسيحية، توفر لجماعتها العديد من احتياجاتها، بصورة تربط الجماعة المسيحية بها. فأصبحت الكنيسة تتمتع بنفوذ أكبر على الجماعة المسيحية، كما أصبحت الجماعة المسيحية تحتاج للكنيسة لتلبية العديد من الاحتياجات التي لا ترتبط بالمجال الديني. ولم تعد الكنيسة بهذا المعنى مؤسسة المسيحية، التي ترتبط بها الجماعة المسيحية في الشأن الديني، بل أصبحت مؤسسة الجماعة المسيحية التي تمارس من خلالها الجماعة العديد من أنشطتها الحياتية.

وعندما يمارس المسيحي نشاطه الاجتماعي أو الرياضي داخل أسوار الكنيسة، تقل فرص تفاعله مع المسلم، كما تقل خبراته خارج أسوار الكنيسة، ومعها تقل خبراته داخل مؤسسات المجتمع العامة. وبهذا يقضي المسيحي جزءا مهما من حياته في الكنيسة، ليس فقط في فترات العبادة، بل أيضا في فترات ممارسة النشاط الاجتماعي والترفيهي والرياضي، وهو ما يقلل من خبرات المسيحي في المجتمع العام، ويقلل خبراته مع المسلم. ومع الوقت يصبح تلاقي المسيحي مع المسلم مرتبطا بأوقات الدراسة والعمل، وتقل مساحة التفاعل في الحياة الاجتماعية. وتلك مشكلة كبرى، فالتفاعل خارج إطار العمل والدراسة، وفي المجال الاجتماعي، هو الذي ينتج ويؤسس الخبرات الاجتماعية للتعايش، ويعمق قيم العيش المشترك. فالحياة الاجتماعية، وما فيها من تفاعل، تمثل المجال الأهم لتكوين العلاقات الاجتماعية، وتراكم خبرات التعايش والتعارف. ولكن تضاؤل مساحة مشاركة المسيحي في الأنشطة الاجتماعية خارج الكنيسة، حجم من مساحة تفاعله من المسلم خارج إطار الأنشطة الرسمية، أي أنشطة الدراسة والعمل.

ولم يقتصر الأمر على تحجيم خبرات العيش المشترك، بل أيضا ساهم ذلك في تضخيم دور الكنيسة في حياة الجماعة المسيحية، بصورة جعلت للكنيسة دورا مركزيا في حياة المسيحي، خارج إطار المجال الديني. وتوسع دور الكنيسة جعل لها سلطة خارج إطار المجال الديني، وتمددت سلطتها إلى المجال السياسي والثقافي والفكري، فباتت الكنيسة تشكل الاتجاهات العامة لدى المسيحيين. فبعد لجوء الجماعة المسيحية إلى الكنيسة، تحولت الكنيسة إلى الحاضن المدني للجماعة المسيحية، وليس فقط الحاضن الديني. وهنا لم تعد توجهات الجماعة المسيحية تتشكل داخل إطار الحياة المدنية والاجتماعية، بل أصبحت تتشكل داخل إطار الكنيسة، وهذا ما جعل بعض التوجهات تسود بين الجماعة المسيحية بصورة كبيرة، وغير طبيعية، حتى باتت بعض المواقف تسود على أغلبية المسيحيين بنسبة مرتفعة، وهو أمر غير طبيعي، لأن سمة أي جماعة بشرية هو التعدد والتنوع. ولكن ارتباط الجماعة المسيحية بالكنيسة، وحد توجهاتها بصورة غير طبيعة، وجعل الجماعة المسيحية تبدو وكأنها كتلة واحدة، في مواقفها السياسية والثقافية والحضارية.

ولجوء الجماعة المسيحية للكنيسة لم يحدث في ظرف عادي، بل حدث كنتيجة لشعور الجماعة المسيحية بوجود خطر تتعرض له، ففي اللحظة التي نمى داخل الجماعة المسيحية الشعور بالاضطهاد، كانت تلجأ أكثر فأكثر للكنيسة، مما جعل الكنيسة هي الملاذ الآمن. والارتباط بين الفرد الذي يشعر بالخوف، وبين الملاذ الآمن، الذي يتصور أنه يحميه، يصبح ارتباطا عضويا قويا لا يمكن تفكيكه بسهولة. لذا أصبحت الكنيسة تمثل ملاذا آمنا، لجماعة تعيش في حالة خوف، أيا كان مدى واقعية هذا الشعور، لأن تأثير الشعور بالخوف لا ينتج من واقعيته، بل ينتج من سيطرة هذا الشعور على الجماعة أو الفرد. وعندما تتعامل الجماعة المسيحية مع الكنيسة بوصفها ملاذا آمنا، تصبح الكنيسة بالنسبة للجماعة المسيحية بديلا للدولة، ومع توسع دور الكنيسة، تتحول إلى دولة افتراضية، أي مؤسسة شاملة قابضة، معنية بكل شئون الجماعة المسيحية في مصر. وهكذا تجد الجماعة المسيحية نفسها داخل أسوار تحميها، أو تظن أنها تحميها.

هكذا انعزلت الجماعة المسيحية داخل أسوار الكنيسة، كما عزلت نفسها داخل وعي خاص بها، وتصورات خاصة بها، ولم تعد تتفاعل بصورة عميقة مع المجتمع المحيط بها، وهو ما يهدر فرص استعادة قيم العيش المشترك، وتعميق روابط العلاقة بين المسلم والمسيحي. وإذا كانت الجماعة المسيحية ترى أن انعزالها نتاج وجود مشاكل تتعرض لها، أو عدم رغبة الأغلبية في التعامل معها، فإن معالجة أي مشكلات بتعميق العزلة داخل أسوار الكنيسة، والحد من خبرات التفاعل الاجتماعي، يعني أن الجماعة المسيحية تحول ما تشعر به من غربة في المجتمع، إلى حالة انفصال كامل عن المجتمع، مما يجعل الغربة تتحول إلى واقع فعلي، بعد أن كانت شعورا متصورا. فتحول الكنيسة إلى مؤسسة بديلة عن المجتمع والدولة في حياة الجماعة المسيحية، يعرقل فرص استعادة وحدة المجتمع المصري.

وإلى المقال القادم..
____________________________________________
مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية (4)

د. رفيق حبيب | 12-10-2010 23:35

المتابع لموقف الكنيسة والجماعة المسيحية في مصر من الشأن السياسي، يلحظ توجها واضحا نحو الخيار العلماني السياسي، حسب النموذج السياسي الغربي. وخلال المراحل المختلفة من القرن العشرين، أقبل قطاع من الجماعة المسيحية المصرية نحو الاتجاهات الليبرالية ممثلة في حزب الوفد، كما أقبل قطاع منها على الاتجاهات اليسارية. ولكن ظلت الجماعة المسيحية تمثل تيارا محافظا في أساسها. ولكن التوجه العلماني الذي ينتشر داخل الجماعة المسيحية والكنيسة، أصبح يمثل خيارا سياسيا، تتبناه الكنيسة كممثلة للجماعة المسيحية سياسيا، وتتوافق عليه الجماعة المسيحية، بصورة تجعلها كتلة سياسية واحدة، لها مطالب طائفية خاصة، وتؤيد اتجاها بعينه، ترى أنه يلبي مطالبها الطائفية الخاصة.

والتأييد المسيحي لليبرالية العلمانية، يتعارض مع طبيعة الجماعة المسيحية وطبيعة الكنيسة نفسها. فالناظر إلى تكوين الجماعة المسيحية في مصر، يجد أنها جماعة محافظة، وليست علمانية أو ليبرالية بأي معنى من المعاني. فالفكر الليبرالي أو العلماني لا ينتشر داخل الجماعة المسيحية، وقواعد السلوك الليبرالي غير متبعة داخل الجماعة المسيحية، كذلك فإن قيم الليبرالية لا تعلم داخل الكنيسة، فتعاليم الكنيسة المصرية تستند للنمط الشرقي المتدين المحافظ، من حيث القيم التي تنشرها بين المسيحيين. مما يجعل الجماعة المسيحية، جماعة محافظة، حتى وإن أيدت التوجه العلماني الليبرالي سياسيا. وهنا تظهر ازدواجية بين القيم الممارسة اجتماعيا وأسريا، وبين القيم المتبناة سياسيا.

والجماعة المسيحية لا تقوم في أغلبها بدور سياسي مباشر، وهي لا تنشر القيم الليبرالية سياسيا، ولا تعمل على توسيع قاعدة الأحزاب والنخب الليبرالية شعبيا. فهي لا تمارس عملا سياسيا جماهيريا من أجل نشر الليبرالية. ولكن الكنيسة والجماعة المسيحية تعلن فقط تأييدها للحكم العلماني، متمثلا في النظام الحاكم، رغم أنه حكم علماني مستبد، ورغم أن الكنيسة والجماعة المسيحية توجه نقدا شديدا للنظام الحكم، وتعتبره يضطهدهم. ومعنى هذا، أن الكنيسة ومعها الجماعة المسيحية تدعم بقاء النظام العلماني المدعوم غربيا، مع كل مشكلاته، ورغم استبداده وفساده. فالتوجه العام السائد في الوسط المسيحي، يرجح ويفضل الخيار العلماني، حتى وإن لم يكن هذا الخيار يحظى بتأييد شعبي. مما يعني ضمنا، أنه لا يوجد تأييد من الوسط المسيحي للديمقراطية والحرية، إلا إذا كانت محكومة بقواعد علمانية غير قابلة للتعديل. وبهذا تصبح الجماعة المسيحية والكنيسة مؤيدة لفرض النظام العلماني بدعم غربي، أيا كان موقف المجتمع من هذا النظام.

لهذا لا نجد موقفا صريحا من الاستبداد، لأن العلمانية كمشروع سياسي غربي، تقوم على قيم مناهضة لقيم المجتمع المصري، وتعارض القيم المحافظة الدينية. والمجتمع المصري في أغلبه يمثل الخيار المتدين المحافظ، مما يعني أن الخيار العلماني المتحرر لن يجد تأييدا شعبيا، ومع هذا تؤيد الجماعة المسيحية والكنيسة هذا الخيار، رغم أنه لن يتحقق إلا بفرضه على المجتمع.

وهنا تظهر ازدواجية خاصة بالجماعة المسيحية وبالكنيسة. لأن اختيار النظام العلماني بالنسبة لهما، ينحصر في تطبيق العلمانية على النظام السياسي، وليس على حياة الجماعة المسيحية. ومعنى هذا، أن تبقى العلمانية مطبقة خارج الجماعة المسيحية وخارج أسوار الكنيسة، دون أن يكون لها تأثير على الحياة الاجتماعية والدينية للمسيحيين. ويقوم هذا التصور على دور الكنيسة باعتبارها المؤسسة الحاضنة للمسيحية، حيث يفترض أن العلمانية لن تؤثر على الكنيسة، وبالتالي لن تتمدد داخل الكنيسة وفي حياة الجماعة المسيحية. ويفترض أن يحدث هذا ضمنا مع الجماعة المسلمة، ولكن في الإسلام لا توجد كنيسة، والإسلام يتحقق ويوجد في حياة المسلمين في المجال العام. ومعنى هذا، أن العلمانية سوف تتمدد وتنحي الإسلام من حياة المسلمين، وتبقى الجماعة المسيحية تحمي نفسها وقيمها ومسيحيتها داخل أسوار الكنيسة. وكأن توجه الجماعة المسيحية والكنيسة، يؤدي إلى علمنة السياسة والمجتمع، ونشر العلمانية بين المسلمين، مع بقاء الجماعة المسيحية محافظة على طابعها الشرقي الديني المحافظ.

وهذا الموقف يعبر عن رؤية طائفية لا تضع في اعتبارها مواقف المجتمع، وتتجاهل موقف الأغلبية، حيث تبحث الجماعة المسيحية عن ما تراه حلا لمشكلاتها، بغض النظر عن تأثير ذلك على الأغلبية المسلمة، وتأثيره على المجتمع عامة. وهنا تفصل الجماعة المسيحية نفسها عن المصلحة العامة للمجتمع، وتفصل نفسها عن الرأي العام السائد في المجتمع، وتبحث عن الوضع الأنسب لها، بغض النظر عن تأثير هذا الوضع على المجتمع والأغلبية.

كما أن هذا التصور ليس تصورا واقعيا، فلا يمكن تمدد العلمانية والليبرالية في مجتمع على حساب الدين، دون أن يمس هذا كل الأديان، بما فيها دين الجماعة الأقل عددا. فتصور أن العلمانية سوف تنتشر في المجال العام فقط، ولن تؤثر على قيم وطبيعة الجماعة المسيحية، ولن تؤثر على دور الكنيسة، هو أمر غير واقعي. فالعلمانية تنحي الدين، وتجعله شأنا فرديا، وتلغي أي دور عام أو جماعي له. لهذا فالعلمانية في الغرب أثرت على المسيحية ونحتها من الحياة، رغم وجود الكنيسة، فأسوار الكنيسة لا يمكن أن تصد الموجات العلمانية. وعندما تصبح القيم السائدة في المجتمع قيما غير دينية، تصبح قيم الدين في خطر، لأن النظام العام لا يحمي قيم الدين.

والمثال الواضح على ذلك، ما يعانيه المسيحي المصري المهاجر للخارج، والذي يبذل جهدا خاصا في حماية أبناءه من المجتمع الغربي العلماني، حتى يربي أبناءه على القيم الدينية المحافظة. وهو ما يمكن أن يحدث في المجتمع المصري نفسه، إذا انتشرت القيم العلمانية، حيث ستعاني الأسر المتدينة، وهي تحاول الحفاظ على تربية أبنائها على القيم الدينية. كما أن انتشار العلمانية في النظام السياسي المصري، أدى إلى مشكلات واجهت الكنيسة المصرية بالفعل، فقد واجهت حالات التعرض للدين، ضمن ما يعتبر حرية تعبير، وقامت الكنيسة تدافع عن الدين، وتطلب منع التعرض للمقدسات، وهي بهذا تخالف القيم العلمانية، وتستند لمرجعية الشريعة الإسلامية. وعندما رفضت الدولة تعديل قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، وأصدرت المحكمة حكما يلزم الكنيسة بالالتزام باللائحة المعتمدة، رغم أن الكنيسة ترى في هذه اللائحة أحكاما تخالف تعاليم الإنجيل، رفضت الكنيسة الخضوع لحكم المحكمة، وتصرفت بصورة تعد من وجهة نظر القانون الوضعي بمثابة تعطيل للقانون والدستور وخروج على النظام العام، ولكن الكنيسة احتمت في النهاية بالشريعة الإسلامية.

ومعنى هذا، أن الكنيسة تحتاج للشريعة الإسلامية لحماية دورها، وحماية الحياة الدينية للمسيحيين، ولكنها تؤيد العلمانية في الشأن العام، الذي تعتبره لا يخص الكنيسة ولا يخص المسيحيين. وهي ازدواجية، تجعل الكنيسة والجماعة المسيحية تنتقي العلمانية في مواقف والشريعة الإسلامية في مواقف أخرى، بغض النظر عن موقف المجتمع وعن مصلحته وموقف الأغلبية المسلمة. وفي النهاية لا يمكن أن تطبق الشريعة الإسلامية في القضايا التي تحتاجها الكنيسة لحماية دورها وحماية المسيحية، وتطبق العلمانية في غير ذلك من الأمور، وكأن الكنيسة والجماعة المسيحية هي التي سوف تحدد الحدود المسموح بها لدور الدين ومرجعيته، والحدود المسموح بها لتطبيق الشريعة الإسلامية.

واختيار علمنة النظام العام، وحماية الكنيسة والجماعة المسيحية من آثار العلمنة، يمثل موقفا يفصل الجماعة المسيحية عن المجتمع، ويضعها في مواجهة الأغلبية المسلمة. مما يجعل الجماعة المسيحية هي العقبة أمام تطبيق الشريعة الإسلامية، رغم أنها تستند إلى هذه الشريعة عندما تواجه أخطارا تهدد دور الدين والكنيسة في حياتها. وكأن الجماعة المسيحية ومعها الكنيسة أصبحت معنية بالحفاظ على قيمها وطابعها، أيا كان تأثير ذلك على المجتمع. وعندما تفصل الجماعة المسيحية مصالحها عن مصلحة المجتمع، تعزل نفسها وتتحول في لحظات ما إلى جماعة قليلة العدد في مواجهة المجتمع.

وإلى المقال القادم..
____________________________________________________
مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية (5)

د. رفيق حبيب | 20-10-2010 01:04

الجماعة الدينية الأقل عددا في أي مجتمع، خاصة إذا كان هذا المجتمع يغلب عليه التدين، يكون لديها حساسية خاصة من مسألة الحرية الدينية وحرية الاعتقاد. فهي تتأثر بأي اتجاهات تعرقل أو تحد من الحرية الدينية. فبحكم قلة عددها، يكون لديها شعور بأن أي حد من الحرية الدينية، سوف يؤثر على حريتها في ممارسة شعائرها، والحفاظ على هويتها الدينية. لذا نجد أن الجماعات الدينية الأقل عددا في أي مجتمع، تركز على تعميق الحرية الدينية وحرية الاعتقاد، وتدافع عنها، وتؤيد الأحزاب أو الاتجاهات التي تدافع عن الحرية الدينية بمختلف صورها، بما في ذلك حرية استخدام الرموز الدينية، وإظهار الهوية الدينية، واحترام العقائد الدينية والحفاظ على قدسيتها، وحمايتها من أي تعدي يلحق بها.

لكن الجماعة المسيحية في مصر، سارت في عكس الاتجاه الطبيعي. فهي جماعة دينية أقل عددا، لذا يفترض أن تكون المدافع الأول عن الحرية الدينية وحرية الاعتقاد واحترام العقائد، ولكنها مع هذا اتخذت مسارا مغايرا، في تطور لافت للنظر، أيا كانت مبرراته. بدأ هذا مع قضية زوجة الكاهن وفاء قسطنطين في عام 2005، حيث احتجت الكنيسة الأرثوذكسية رسميا على ما اعتبرته غيابا أو اختطافا لها، واحتج شعب الكنيسة وتظاهر داخل أسوارها، حتى سلمت قوات الأمن وفاء قسطنطين للكنيسة، وظهر بعد ذلك أنها أسلمت، ومع ذلك ظلت معتقلة في الكنيسة، لا يعرف أحد مكانها أو حالتها. وبات واضحا أن السيدة وفاء ترفض العودة للمسيحية، وترفض أيضا رواية أي قصة تنفي إسلامها، وهو ما يتضح من استمرار احتجازها في الكنيسة، وعدم ظهورها أمام الرأي العام.

تلك الحادثة تكشف عن موقف رأت فيه الكنيسة الأرثوذكسية وأعضائها، أن زوجة الكاهن لا يحق لها تغيير دينها، وأن من حق الكنيسة منعها من تغيير دينها، حيث اعتبرت ممثلة للكنيسة وجزء من كرامتها، كما اعتبرت بحكم أنها زوجة كاهن شخصية لها تأثير على عامة الناس، بما يعني أن تحولها إلى الإسلام سوف يؤثر سلبا على شعب الكنيسة، أو ربما يفتح الباب أمام تزايد حالات التحول إلى الإسلام. وفي كل الحالات، فقد تصرفت الكنيسة وشعبها، على أساس أن زوجة الكاهن ليس لها الحق في اختيار العقيدة التي تؤمن بها، وأنها محرومة من حرية الاعتقاد. في حين أن زوجة الكاهن، مثل أي زوجة أخرى لأي مسيحي، فهي إنسانة أولا وأخيرا. كما أن التحول من دين لآخر، يمكن أن يحدث من أي شخص، سواء كان يرتبط بأحد قيادات المؤسسة الكنسية أم لا. كما أن تحول زوجة الكاهن للإسلام، مثله مثل تحول أي مسيحي للإسلام، فهو قرار شخصي. والتحول من دين إلى آخر، لا يمثل تهديدا للمنتمين للدين، ولا للمؤسسة التي تمثل هذا الدين.

وهنا ظهر أن موقف الجماعة المسيحية رافض لحرية الاعتقاد، عندما تصور أنها تمس مكانة المسيحية أو الكنيسة، على خلاف المفترض من مواقف تتسم بها الجماعات الدينية الأقل عددا، لأنها -كما قلنا- تناصر الحرية الدينية وحرية اعتقاد، وترى أنها أول من يتأثر بأي تصرف يحد من حرية الاعتقاد. ولكن تصرف الكنيسة وشعبها ضد حرية زوجة الكاهن في تغيير دينها، قدم نموذجا ضد حرية الاعتقاد، وقدم مثالا من الجماعة المسيحية على عدم تسامحها مع الحرية الدينية، وهي رسالة في عكس الاتجاه، توجه للجماعة المسلمة الممثلة للأغلبية، وكأنها فعل يدفع جماعة الأغلبية لعدم التسامح مع حرية الاعتقاد، أو التحول من دين إلى آخر.

ورغم أن واقعة السيدة وفاء، كانت لها آثار سلبية عديدة، خاصة على العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر، لأنها أثارت عامة المسلمين، بسبب تواطؤ الكنيسة والدولة على منع مواطن مصري من التحول إلى الإسلام، إلا أن قضية كاميليا شحاتة، جاءت لتكرر نفس المشهد مرة أخرى، رغم كل النتائج السلبية المتراكمة منذ حادثة وفاء قسطنطين. ومرة أخرى، يتم القبض على زوجة الكاهن، التي تركت المنزل للتحول إلى الإسلام، ثم تسلم إلى الكنيسة ويتم التحفظ عليها، وتخضع لضغوط نفسية متوالية، حتى تتراجع عن موقفها، ثم تتواصل فترة اعتقالها، وتنضم لمن سبقتها. وكل مشاهد الحادثة تؤكد على إصرار من جانب الكنيسة وشعبها، على منع زوجة الكاهن من التحول إلى الإسلام، ولكن بعض الأحداث السابقة واللاحقة، توضح أن الأمر يمتد لأي امرأة أخرى. حيث تعمل الكنيسة على تسلم من تحاول التحول إلى الإسلام، من أجهزة الأمن، خاصة إذا لم تكن قد أكملت الإجراءات، وأمكن الوصول لها. وفي بعض الحالات يتم منع من تريد التحول إلى الإسلام، بعيدا عن أعين وسائل الإعلام، من خلال توافق بين الدولة ممثلة في أجهزة الأمن والكنيسة. فأصبحنا بصدد موقف من الكنيسة وشعبها، يحاول منع أي امرأة من التحول إلى الإسلام. وبالطبع يقتصر الأمر على المرأة، حيث يكون تركها للمنزل مدان حسب التقاليد، ويمكن اعتباره اختطافا، ويمكن القول بأنه قد غرر بها، وغير ذلك من المبررات، ولكن في حالة الرجل الذي يتحول إلى الإسلام، فالأمر يتم بصورة طبيعية ولا تتدخل الكنيسة، عدا في بعض الحالات الخاصة بشباب صغير السن، فلا يمكن التحفظ على رجل وتسليمه للكنيسة، وكأن بعض التقاليد الشائعة قد استخدمت لتجعل المرأة في النهاية تحت ولاية الكنيسة، خاصة وأنه يمكن القول أن المرأة اختطفت، ويصعب القول عن الرجل أنه اختطف.

وهكذا تتوسع الكنيسة وشعبها في فرض وصاية على المسيحي حتى لا يتحول إلى الإسلام، ولكن هذا الموقف ينقض قواعد الحرية الدينية وحرية الاعتقاد، وهي حريات تفيد الجماعة المسيحية بأكثر مما تحتاجها الجماعة الممثلة للأغلبية. مما يعني أن الجماعة المسيحية في مسار اندفاعها الغاضب، أصبحت تهدر بعض القيم الأساسية التي تحتاجها لتحمي تميزها الديني، فبدلا من التعامل بما تمليه قيم التسامح الديني مع من يتحول من المسيحية، تحاول الجماعة المسيحية منع من يتحول إلى الإسلام، وكأنه بهذا يتجاوز كرامة الكنيسة وشعبها. ويصبح بعد ذلك، كل دفاع من الجماعة المسيحية عن حرية اختيار الدين بلا معنى، لأنها لم تقدم نموذجا يدل على قناعتها بحرية الاعتقاد.

والأمر لا يتوقف فقط على حرية الاعتقاد، بل يصل أيضا لقضية احترام العقائد. فقد ظهرت قنوات فضائية، تحمل برامج مسيئة للإسلام، كجزء من منهج تبشيري وضعه الغربيون، يقوم على التبشير بالمسيحية من خلال نقد وربما تجريح العقيدة الإسلامية. والأمر لم يقتصر على تلك القنوات، وعلى رموز هذا المنهج التبشيري، بل امتد من خلال كتب تهاجم الإسلام، يتم توزيعها من قبل هيئات تبشيرية أجنبية يعمل فيها مصريون مسيحيون، وبعضهم متحولين من الإسلام، ويقوموا بتوزيع هذه الكتب في الشوارع والبيوت، وهي ظاهرة ليست جديدة، ولكنها تمادت وانتشرت. والمشكلة الأكبر ما يلاقيه رموز منهج التبشير القائم على تجريح العقائد الإسلامية، من تأييد بين الجماعة المسيحية، حتى وإن كان هذا التأييد ليس له حضور عام، ويظل حاضرا فقط داخل الجماعة المسيحية. فمن يسمح لنفسه ولغيره بتجريح عقائد الآخرين، عليه أن يتحمل تجريح عقيدته أيضا. والجماعة الدينية الأقل عددا، إذا تزايدت ظاهرة تجريح العقائد الدينية، تصبح هي المتضرر الأول، ومع هذا نجد الجماعة المسيحية لم تقف ضد تجريح عقائد المسلمين، رغم أنه يعرضها لتجريح عقيدتها، ويفقدها المبرر عندما تحاول منع تجريح العقائد.

فتحت مظلة حماية الجماعة المسيحية وهويتها وتميزها وعقيدتها، نجد الجماعة المسيحية مندفعة في سلوك يتعارض مع القيم الأساسية التي تحمي العقائد، وتحمي الجماعات الدينية الأقل عددا، مما يجعل الجماعة المسيحية تساعد على انتشار أوضاع تخل بالحرية الدينية وحرية الاعتقاد، رغم أنها أول من يتأثر سلبا بهذا المناخ.

وإلى المقال القادم..
_________________________________________________
للطباعة
مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية (6)

د. رفيق حبيب | 26-10-2010 22:59

الفترات التي تشهد حالة من الصراع الداخلي في أي مجتمع، هي الفترات التي تشهد نموا واضحا للتعصب، يفوق الوضع الطبيعي. ولأن كل مجتمع بداخله قدر من التنوع الداخلي، لذا عندما يظهر التعصب كظاهرة، يحدث بين الفئات المتنوعة أو المختلفة داخل المجتمع، أيا كان سبب الاختلاف بين هذه الفئات. والمجتمع الذي يمر بأزمة حادة، تمس هويته، يظهر فيه التعصب، خاصة إذا كانت أزمة مجتمعية شاملة. هناك بالطبع مجتمعات لها توجهات عنصرية، مثل المجتمعات التي ترتبط بهوية قومية ضيقة، أو هوية قومية عنصرية، حيث يظهر فيها التعصب تجاه الآخر المختلف قوميا، حتى في فترات التقدم، وليس فقط في حالة ظهور مشكلات حياتية.

ولكن حالة المجتمع المصري تختلف عن هذا، فقد بني على الهوية الحضارية التي تستوعب كل من ينتمي لها، ولم يبنى على هوية قومية عنصرية. لذا أصبح التعايش في المجتمع المصري مرتبطا بالانتماء لهوية واحدة وحضارة واحدة، أي مرتبطا بالانتماء لمنظومة قيم واحدة، ونمط حياة مشترك. فتتحقق قيم العيش المشترك، بقدر ما يستطيع المجتمع التعبير عن نفسه، وتحقيق مرجعيته في حياته، حيث تنظم العلاقات داخل المجتمع، بقدر فاعلية القيم العليا المنظمة لحياته. ولكن عندما مر المجتمع المصري بأزمة حادة، بعد هزيمة عام 1967، وبدأ المجتمع في البحث عن هويته من جديد بعد أن ابتعد عنها، بدأ المجتمع المصري في دخول مرحلة أزمة الهوية، بسبب غياب منظومة القيم الحاكمة للمجتمع، نتيجة لنشر العلمانية، وتأسيس الدولة على أسس علمانية. ومع الهزيمة وانهيار المشروع القومي الناصري، دخل المجتمع المصري في حالة أزمة مجتمعية شاملة، تظهر ملامحها في تردي كل أحوال المجتمع، وتراجع القيم الحاكمة له.

ليس من الصعب ملاحظة نمو التعصب منذ سبعينات القرن العشرين، بصورة تزيد عن الوضع العادي، لتمثل ظاهرة تؤثر على المجتمع وتحدد مستقبله. فمع انهيار المرجعية الحضارية للمجتمع، وبداية البحث عن الهوية من جديد، بدأ المجتمع يشهد حالة تفكك داخلي، وفي نفس الوقت بدأ يشهد حالة تعصب شعبي متزايد. وقد ظهر هذا التعصب بين المسلم والمسيحي، لأن الاختلاف في الدين مثل التنوع الرئيس في المجتمع المصري، فأصبح الاختلاف في الدين هو الذي يقسم المجتمع إلى أهم مكوناته الأساسية، ولهذا ظهر التعصب في مجال الاختلاف الديني.

وككل مجتمع يمر بأزمة وتظهر درجة من التعصب المتزايد داخله، يصبح التعصب مرتبطا بمدى قدرة المجتمع على اكتشاف هويته المشتركة من جديد، حتى يبنى منظومة قيمه من جديد، ويعيد تماسك المجتمع، حتى يستطيع الخروج من أزمته وبناء مستقبل أفضل. فكل مجتمع يتحرك نحو تحقيق تماسكه وتقدمه ويحاول الخروج من أي أزمة يمر بها، حتى ينقذ نفسه من حالة التفكك التي تعرضه للمخاطر. ولكن في مراحل معينة يفقد المجتمع قدرته على إعادة بناء ذاته، بسبب ضعف قدراته على الحركة. وفي المجتمع المصري، شهدنا حالة تراجع لقدرات المجتمع ودور مؤسساته الاجتماعية، بسبب تزايد حالة الاستبداد الشامل التي يفرضها النظام الحاكم على المجتمع، لدرجة جعلت معظم مؤسسات المجتمع تحت السيطرة المباشرة للنظام الحاكم، مما أفقدها القدرة على الفعل الإيجابي. ومع غياب دور المؤسسات الاجتماعية، غاب أيضا دور الدولة، والتي ظلت مختطفة من قبل النخب الحاكمة، تسيرها حسبما تريد، وفي الاتجاه الذي يخدم مصالحها، فلم تعد الدولة ممثلة لحالة المجتمع، ولم تعد كذلك قادرة على بناء المجتمع، والتعبير عن هويته ومرجعيته، وتحقيق أسسه المشتركة التي يبنى عليها، والتي تمثل نظامه العام. فالنظام السياسي المستبد لا يعبر عن المجتمع، لذا فقد المجتمع أداة من أهم أدوات توحده، والتي تتمثل في النظام السياسي الحاكم، عندما يكون معبرا عن قيم المجتمع، وعندما يعكس منظومة القيم الحضارية التي أسس المجتمع عليها. ومع غياب دور المؤسسات الاجتماعية، وغياب دور الدولة، ترك المجتمع لحركة الناس عامة، وحركة القوى الفاعلة فيه، من تيارات وحركات سياسية ودينية، وأصبحت هي الأكثر تأثيرا.

والجماعة المسيحية مثلت تكوينا من التكوينات النشطة، كما مثلت الكنيسة مؤسسة من المؤسسات النشطة، والتي لم يفرض عليها سيطرة أمنية من النظام الحاكم. فكما كانت الحركة الإسلامية ممثلة لحالة النشاط داخل الجماعة المسلمة، هكذا كانت الكنيسة والحركات والمجموعات المسيحية ممثلة لحالة النشاط داخل الوسط المسيحي. وبهذا أصبح الكثير من التحولات الحادثة في المجتمع المصري، رهنا بدور المؤسسات والحركات الدينية الفاعلة.

وفي كل المراحل التي تتسم بدرجة أكبر من التعصب، تعاني الفئات الأقل عددا، أكثر من غيرها. حيث أن التعصب يوسع الفجوة بين مكونات المجتمع، فتشعر الفئات قليلة العدد بدرجة من الخوف، خاصة إذا كان كل محيطها يمثل جماعة واحدة متماسكة أو متجانسة، مثل حالة الجماعة المسلمة في المجتمع المصري. فتصنيف المجتمع المصري إلى جماعة مسيحية وجماعة مسلمة، يجعل المجتمع موزعا بين أغلبية واسعة ومتجانسة، وأقلية واحدة مختلفة دينيا. لذا يمثل انتشار التعصب تهديدا للجماعة الأقل عددا، أيا كانت نتائج التعصب واقعيا، حيث يعد مجرد انتشار التعصب، بمثابة تهديد كامن، يثير مخاوف الجماعة الأقل عددا. وفي كل الأحوال فإن التعصب انتشر في المجتمع المصري، في الجماعة المسيحية والجماعة المسلمة على السواء، ولكن تأثير تعصب الجماعة الأكثر عددا على الجماعة الأقل عددا يكون أكبر، حيث أن تأثير تعصب الجماعة الأقل عددا عمليا على الجماعة الأكثر عددا، يكون محدودا.

ولكن هذا الوضع يوقع الجماعة الأقل عددا في قناعة تضر بها كثيرا. حيث تتصور الجماعة الأقل عددا، أن تعصبها غير ظاهر، وغير مؤثر على الجماعة الأكثر عددا، مما يجعلها أحيانا تتمادى في التعصب إلى حد خطير. وهذا ما حدث للجماعة المسيحية في مصر، حيث زاد التعصب داخلها على حد كبير، وأصبح ينمو بدون أي كابح، وأصبحت القوى الفاعلة داخل الجماعة المسيحية، ومنها الكنيسة، تنمي هذا الشعور بداخلها. وفي بعض الأوقات، نجد التعصب ينمو وكأنه رد فعل، وفي أوقات أخرى ينمو التعصب وكأنه نوع من الحماية تجاه الشعور بالتهديد، ولكن الملاحظ يكتشف أن التعصب ينمو في كل الأحوال، أيا كانت المبررات، مما يجعل الجماعة الأقل عددا، والتي تتضرر من انتشار حالة التعصب، تشهد نموا واسعا للتعصب بداخلها.

وتسيطر فكرة أن تعصب الجماعة القليلة العدد غير مؤثر أو غير ظاهر، والحقيقة أنه يكون فاعلا ومؤثرا، ويرسل إلى جماعة الأكثرية إشارات خاطئة، حيث ينمي لديها التعصب تجاه الجماعة الأقل عددا، ويصبح التعصب متبادلا، وينمو في كل اتجاه، لأن بيئة التعصب تنمي التعصب من جديد، وكل انتشار للتعصب يعمق وجوده في المجتمع. والتعصب يقوم على تصور سلبي عن الآخر، فترى الآخر بصورة سلبية، فيصبح موقفك منه سلبيا أيضا. وهذا ما يحدث داخل الجماعة المسيحية، وداخل الكنيسة أيضا، حيث تنمو صورة سلبية عن كل من هو عربي ومسلم، بصورة تجعل لدى الجماعة المسيحية صورة سلبية عن الجماعة المسلمة، تعوق أي تعاون وتعايش طبيعي بين الجميع. وتلك الصورة تؤثر على حالة المجتمع، وتؤثر على موقف الجماعة المسلمة، ولا يمكن وضعها في إطار رد الفعل الذي يزول بزوال الفعل، لأن التعصب هو موقف ينبع من داخل أي جماعة، عندما ترى أن هويتها تختلف عن الآخرين. ويعد التعصب في كل الأحوال، فعل حتى إذا كان في جانب منه رد فعل. ولن يزول التعصب إلا بفعل مغاير له ومضاد له.

وإلى المقال القادم..
___________________________________________
مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية (7)

د. رفيق حبيب | 02-11-2010 23:44

بالنظر إلى مواقف الجماعة المسيحية، نجد أنها ركزت على ما قد تواجهه من مشكلات بسبب اختلافها في الدين عن الأغلبية. وفي حالة مجتمع يعاني من نظام سياسي مستبد، ويعاني من تدهور عام في أحوال المعيشة، وفي القواعد والنظم الاجتماعية، يصبح انتشار المظالم والمشكلات أمرا متوقعا. وفي غالب الأحوال، ومع تزايد المشكلات، يكون للجماعات الأقل عددا مشكلات إضافية. وفي حالة الجماعة المسيحية، ومع تزايد الميل للتعصب في المجتمع المصري، يظهر الخوف لديها بحكم أنها جماعة أقل عددا. وشعور الخوف لدى الجماعة الأقل عددا، لا يعكس فقط ما يحدث في الواقع من مشكلات، بل يعكس حالة خوف جماعي، يمكن أن تتجاوز ما يحدث في الواقع من مشكلات، وتتحول إلى حالة خوف عميق، تنتج العديد من الأفكار والمقولات، التي تعيد إنتاج الخوف ذاتيا.

والجماعة المسيحية في مصر، لم تنظر إلى المشكلات التي تواجهها ضمن الحالة العامة للمجتمع، بل نظرت لها بمعزل عن حالة المجتمع، لذا أصبحت تلك المشكلات تمثل حالة خاصة بها، رغم أنها ترتبط بتدهور أوضاع المجتمع عامة. وعندما تفصل المشكلات التي تعاني منها الجماعة المسيحية عن مشكلات المجتمع، يتم النظر لها من خلال إطار طائفي، وهو ما يؤدي إلى إعادة تفسير كل الوقائع التي تمر بها الجماعة المسيحية أو أي فرد فيها من خلال رؤية طائفية، فتصبح المشكلات التي تواجه أي فرد في المجتمع، إذا واجهت مواطن مسيحي، مرتبطة بكونه مختلف في الديانة. وبهذا تتحول المشكلات التي تنتج من تدهور الأوضاع الحياتية عموما، إلى مشكلة طائفية، مثلها مثل المشكلة التي تنتج من الاحتقان الديني. ويتشكل وعي الطائفة بذاتها، وهو وعي يتأسس على ما تشعر به من مشكلات، وما تعاني منه من خوف، وما تراه عن هويتها الخاصة وتميزها عن غيرها، فتصبح بهذا طائفة مغلقة على نفسها. فهناك فرق بين المشكلات التي تتعلق باختلاف الدين، في مجتمع تنتشر فيه المظالم، وبين تحول تلك المشكلات لمسبب رئيس في تشكيل وعي طائفي منعزل عن الحالة العامة في المجتمع.

وأول ما يظهر في حالة الوعي الطائفي المنعزل، أن الطائفة ترفض ربط حالتها بحالة المجتمع، حتى تؤكد أنها في حالة اضطهاد، رغم أن معظم المجتمع يعاني من أنواع مختلفة من المظالم. والبعض يتصور أن المشكلات التي تعاني منها الجماعة الدينية الأقل عددا، وترتبط باختلافها في الدين، تختلف عن المشكلات والمظالم التي يعاني منها بقية فئات المجتمع. ولكن الواقع يؤكد أن انتشار الظلم يطول كل فئات المجتمع، كما يطول كل جوانب الحياة، لذا فإن انتشار المظالم، يمس كل فئات المجتمع، بما فيها الجماعة الدينية الأقل عددا. فتصبح مظالم الجماعة المسيحية جزءا لا يتجزأ من مظالم المجتمع المصري بكل فئاته، ولكن الجماعة المسيحية تحاول فصل مشكلاتها عن مشكلات المجتمع.

وربما يتصور البعض، أن تحديد المشكلات التي تعاني منها الجماعة المسيحية، والبحث عن حل لها، إن كانت كلها واقعية، يؤدي إلى حسم القضية، وحسم الجدل حولها. ولكن المشكلة ترتبط أساسا، ليس فقط بالمشكلات التي قد توجد في الواقع، ولكن برؤية الجماعة لها. ففي حالة الجماعة المسيحية، سنجد أن رؤيتها لما تعاني منه من مشكلات، يختلف نسبيا عن ما يحدث في الواقع، بل أن الجماعة المسيحية لا ترى أنها تواجه مشكلات، بل ترى أنها تواجه اضطهادا منظما ضدها، وهو أمر يخالف الواقع، لأن الاضطهاد المنظم يعني إبادة أو التخلص من الجماعة المسيحية، وهو أمر إذ كان حقيقة، كانت الجماعة المسيحية تعرضت للزوال أو الاختفاء منذ زمن.

لذا يعد الوعي بالمشكلات، أكثر أثرا من المشكلات نفسها، لأن هذا الوعي هو الذي يخلق الواقع المتصور، والذي قد يختلف عن الواقع الفعلي. والواقع المتصور يكون له قوة الواقع الفعلي، بسبب توافق الجماعة عليه، أي من كونه أصبح وعيا جماعيا متفق عليه. ومن خلال هذا الوعي، تترجم الجماعة المسيحية وعيها إلى تصورات تاريخية وثقافية وحضارية، تشكل هويتها وموقفها. وهنا نصبح بصدد مشروع متكامل وليس مجرد رد فعل لواقع ما. فيبرز المشروع السياسي للجماعة المسيحية، والذي يفترض أنه نتاج لما تواجهه في الواقع، ولكنه في حد ذاته، يصبح واقعا يشكل مصير الجماعة المسيحية، ويشكل علاقتها بالمجتمع المحيط بها.

ففي منتصف سبعينات القرن العشرين، وقبل تفجر العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، ظهر خطاب من قبل بعض من الجماعة المسيحية، خاصة في المهجر، يقوم على تصور سياسي قبطي، يتضمن عدة أفكار أساسية، منها أن الجماعة المسيحية في مصر هي الأقباط الأصليين، وأنها تمثل السلالة المصرية النقية الخالصة. وأن الجماعة المسلمة ليست جماعة عرقية نقية، فهي خليط من العرق المصري والعرق العربي. وتقوم هذه الرؤية السياسية القبطية، على أن العرق أو القومية المصرية، ليس لها أي روابط بالهوية العربية أو الإسلامية، وأنها حالة حضارية مختلفة، وهي بالطبع حالة أكثر تحضرا. وعليه يكون الفتح العربي غزوا، لم يتم إزالة أثاره حتى الآن، وبهذا تشيد القبطية السياسية رؤية تقوم على أهمية التخلص من الهوية العربية، وفك كل الروابط معها، ومن ثم فك الروابط مع الهوية الإسلامية، حتى تصبح مصر قومية خالصة. ويكون على المصري المسلم من أصل عربي، أن يعود إلى الهوية المصرية، ويقطع صلاته مع الهوية العربية، كما يكون على المصري المسلم من أصل مصري، أن يعود لهويته المصرية الخالصة، ويقطع صلاته أيضا بالهوية العربية والإسلامية. والبعض بالغ وتصور أن مصر محتلة باحتلال عربي، ويجب تحريرها من هذا الغزو، وطرد العرب المحتلين.

ومجمل هذه الرؤية لا يرتبط بكون الجماعة المسيحية تواجه مشكلات أم لا، فإذا كانت هناك مشكلات تنتج من استبداد السلطة الحاكمة، فإن حلها في الضغط على هذه السلطة لفرض الحرية والعدل، وإذا كانت هناك مشكلات ترتبط بانتشار التعصب في المجتمع المصري، فحلها يرتبط بعلاج حالة الاحتقان والغضب الذي ينتشر في المجتمع، وتحقيق حياة أفضل له. ولكن القبطية السياسية تقدم في الواقع مشروعا سياسيا، هو مشروع له جذوره التاريخية، وأطل من داخل الجماعة المسيحية منذ بداية الفتح العربي، ولكنه ظل يمثل حالة أقلية داخل الجماعة المسيحية، وحتى إذا كان قد انتشر أو ساد في بعض الفترات، فلم تكن له الغلبة داخل الجماعة المسيحية، مثلما حدث منذ سبعينات القرن العشرين، حيث تحولت القبطية السياسية الطائفية، إلى رؤية تسود داخل الجماعة المسيحية وداخل الكنيسة، بعد أن ظهرت علنا أولا من بعض مسيحي المهجر، ثم انتشرت بعد ذلك داخل الجماعة المسيحية، حتى غابت الهوية العربية الإسلامية من خطاب الكنيسة ومن خطاب الجماعة المسيحية، وأصبحت الجماعة المسيحية وكنيستها تعلن فقط هوية مصرية خالصة. مما أدى إلى غياب الروابط التي ربطت بين الهوية المصرية والهوية العربية، ثم الهوية الإسلامية، من خلال اللغة والتاريخ المشترك والتواصل الجغرافي. ولم تعد الجماعة المسيحية تعرف معنى لمقولة أنها مسيحية الدين عربية وإسلامية الثقافة والحضارة، تلك المقولة التي كانت تقال وكأنها جزء من بديهيات الواقع المصري.

لقد قدمت القبطية السياسية ردا على الواقع المتأزم، وعلى حالة الاحتقان الديني، بأنها أسست للقطيعة بين الجماعة المسيحية والمجتمع المحيط بها، وجماعة الأغلبية المسلمة. فأصبح علاج المشكلات يتحقق من خلال العزل الكامل للجماعة المسيحية، ومواجهة الخوف الذي يعتريها، من خلال فك روابطها من مجتمعها. وبهذا أصبحت المشكلة تتحول لكارثة، فلم تعد مشكلة في العلاقات بين المسلم والمسيحي، بل أصبحت فك روابط كامل بين الجماعة المسيحية أو أغلبها، وبين الجماعة المسلمة أو أغلبها. وبهذا يتعمق الانفصال، وتسير الجماعة المسيحية في طريق يعرضها بالفعل لخطر حقيقي، وليس لمجرد خطر متصور، وكأنها تهرب من خطر مفترض إلى خطر مؤكد.

وإلى المقال القادم..
_______________________________________________________
مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية (8)

د. رفيق حبيب | 09-11-2010 23:31

المتابع لما يحدث من مواجهات أو خلافات بين المسلمين والمسيحيين في مصر منذ سبعينات القرن العشرين، يجد أن معالجة تلك المشكلات تأخذ منحى مختلف عن ما كان شائعا في الماضي. فالتاريخ شهد أحداث مواجهة بين المسلمين والمسيحيين، وكانت تلك الأحداث حتى إذا استمرت لفترة، تنتهي بالعودة إلى قواعد العيش المشترك، من خلال الاحتكام لقواعد النظام الاجتماعي المتفق عليها داخل المجتمع المصري. ولكن ما حدث منذ سبعينات القرن العشرين، أن الأحداث كانت تستمر وتتفاقم دون أي مراجعة للمواقف، ودون أي محاولة للتوصل إلى حل لما يحدث من مواجهات. والحادث منذ سبعينات القرن العشرين، أن الأحداث تتراكم في اتجاه تدهور العلاقة بين المسلمين والمسيحيين.

هناك بالطبع العديد من الظروف المتداخلة، والتي تؤثر على العلاقة بين المسلم والمسيحي في مصر، فالمتغيرات الإقليمية والدولية لها تأثير، كما أن تصرفات المسلمين والمسيحيين، لها أيضا تأثير، وكذلك دور الدولة والنظام السياسي. وكل هذه العناصر تتفاعل معا، لتصنع ما نشهده من أحداث. ولكن الملاحظ أيضا أن موقف الجماعة المسيحية من أحداث المواجهة أو المشكلات التي تواجهها، كان موقفا لافتا للنظر. حيث مالت الجماعة المسيحية في أغلبها إلى البحث عن تفسير لما يحدث، وإسناد هذا التفسير إلى التاريخ، حتى تصل لخلاصة حول وضعها في مصر. وكانت تلك الخلاصة تكرس الأزمة، وتنظر لها باعتبارها أزمة لا حل لها، وأنها أزمة عميقة الجذور في التاريخ، وليس لها حل متاح. وكأن القضية أصبحت تتمثل في أزمة تاريخية مستمرة بين المسلمين والمسيحيين، طيلة التاريخ الماضي منذ الفتح العربي لمصر. وتحولت تلك الرؤية إلى تصور تنشره الكنيسة والجماعة المسيحية، أو أغلبهما.

هذه التصورات رأت أن هناك مشكلة بسبب وجود المسيحيين في مجتمع أغلبيته إسلامية، حيث يعني هذا أن المجتمع الإسلامي يعرض المسيحيين لمشكلات. كما كشفت بعض التصورات عن رؤية ترى أن موقف المسلمين من المسيحيين سلبي في كل الأحوال، وأنهم لا يتسامحون مع الاختلاف في الدين. ووصلت بعض التصورات إلى خلاصة مفادها، أن العقيدة الإسلامية نفسها ليست متسامحة مع وجود جماعات مختلفة في الدين. وبهذا أصبح التصور الذي ينتشر بين المسيحيين، مفاده أن هناك خطر على المسيحي، مادام يعيش في مجتمع أغلبيته إسلامية.

وكأن هناك حدثا جديدا ظهر فجأة، يتمثل في مشكلة العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين. ولأن تاريخ العلاقة بين الطرفين ممتد لأربعة عشر قرنا، لذا أعيد تفسير كل هذا التاريخ في خلاصة تقول بأنه لم يكن إلا تاريخا للاضطهاد. وبهذا تحول تاريخ الجماعة المسيحية في مصر إلى تاريخ من الاضطهاد المستمر، والذي استطاعت الجماعة أن تواجهه حتى تبقى في بلدها مصر. مما جعل التصورات تذهب بعيدا، لتؤكد على أن الموقف الإسلامي من المختلفين دينيا، هو موقف اضطهاد بغرض إخراجهم من أرض الإسلام، أو تحويلهم إلى الإسلام. ومن هنا جاءت القصص التي تحكي محاولات التحويل إلى الإسلام قهرا، ومعها العديد من الروايات حول المخاطر التي تتعرض لها الجماعة المسيحية في مصر.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل بدأت تنتشر تصورات حول مستقبل مصر في حالة وصول حركة إسلامية للحكم، وما يمكن أن يحدث للمسيحيين تحت الحكم الإسلامي. وتحولت تلك التصورات إلى مخاوف شديدة، تجعل البعض يقرر الهجرة خارج مصر. وبهذا حاصرت الجماعة المسيحية نفسها بالعديد من المخاوف، ولم تتمهل حتى تختبر تلك المخاوف، بل كانت تعمق تلك المخاوف كل فترة.

إذا أضفنا لذلك مشكلة الهوية، حيث رأت الجماعة المسيحية أن هويتها مصرية خالصة، واعتبرت الهوية العربية والإسلامية دخيلة على مصر، يمكنا أن نصل لتصور للوعي الجمعي للجماعة المسيحية. فقد رسمت لنفسها تصورا خاصا، عن الوضع الذي يحقق لها الحماية، متمثلا في مجتمع قومي مصري، لا علاقة له بالمحيط العربي والإسلامي، وليس فيه مجال للعمل السياسي للحركات الإسلامية، وربما ليس فيه مجال أيضا للعمل الدعوي والاجتماعي للحركات الإسلامية التي تنشر الهوية الإسلامية للمجتمع، وتجعله مجتمعا إسلاميا. لذا أصبحت الجماعة المسيحية أو أغلبها، تبحث عن حالة خاصة، وتبحث عن الأسس التي تحقق لها هذه الحالة.

وتبدأ سلسلة من الاستنتاجات المتتالية والمترابطة، فحماية الدولة القومية المصرية لا يتحقق إلا بالحل العلماني، والذي يمثل حائط صد أمام الهوية العربية والإسلامية. وحماية النظام السياسي من أي محاولة لتحويله إلى نظام إسلامي، تحتاج للسيطرة على النظام السياسي، حتى إذا كان من نخب حكم مستبدة. وبهذا تصبح العلمانية المستبدة حلا في تصور بعض من المنتمين للجماعة المسيحية، ومع الوقت يمكن أن تصبح خيار أغلبية الجماعة المسيحية. وربما هذا ما يفسر تلك العلاقة المضطربة بين الجماعة المسيحية والكنيسة وبين نظام الحكم في مصر، حيث يتهم نظام الحكم باضطهاد المسيحيين، وفي نفس الوقت يحوز على تأييد الكثير من المنتمين للجماعة المسيحية، والأهم أنه يحوز على تأييد الكنيسة. وهو ما يعني أن الكنيسة ترى أن النظام القائم، وهو يمثل نظام علماني مستبد، هو الذي يمنع وصول الحركة الإسلامية للحكم. وبهذا لن تؤيد الكنيسة ومعها جماعتها أي تحول ديمقراطي حقيقي، لأن الانتخابات النزيهة يمكن أن تأتي بالحركة الإسلامية للحكم، إن كان هذا هو خيار المجتمع. ويوحي هذا بأن الجماعة المسيحية أصبحت من الكتل التي تؤيد وضع قواعد على العمل السياسي قبل التحول الديمقراطي، حتى تمنع الحركات الإسلامية من الحكم، ويتم حراسة الهوية القومية العلمانية المصرية للدولة، من خلال قواعد دستورية، وربما من خلال حماية الجيش لتلك القواعد.

ولا يمكن فرض رؤية على المجتمع المصري، والذي يظهر أنه مجتمع إسلامي له هوية مصرية عربية إسلامية، بدون تدخل خارجي، فالتصورات التي تنتشر داخل الجماعة المسيحية في مصر، لا يمكن حمايتها بدون تدخل غربي. فكلما كانت التصورات بعيدة عن الواقع الراهن، أصبحت تصورات مفروضة ولا تعبر عن الاختيار الحر للمجتمع. وهي حالة مماثلة لحالة المشروع العلماني نفسه، لأن هذا المشروع ليس له قواعد جماهيرية، لذا يلجأ حملة هذا المشروع إلى الاحتماء بالتدخل الخارجي، أو على الأقل التحجج بالوضع الدولي والظروف العالمية. والمتابع لمواقف الجماعة المسيحية، يجد أنها كلما عمقت رؤيتها الخاصة والمنفصلة عن رؤية المجتمع، اتجهت أكثر إلى طلب الحماية الدولية، وحاولت تدويل المسألة المسيحية في مصر. لذا أصبحت الجماعة المسيحية والكنيسة تراهن على الوجود القطبي في المهجر، والذي سمي أحيانا بأقباط الشتات، حتى تصبح القضية ذات طابع دولي، وتستفيد من الهيمنة الغربية الحالية على المنطقة العربية والإسلامية. فبدون هذه الهيمنة لا يمكن حماية مشروع قومي مصري علماني، يختلف في بنيته عن الهوية التاريخية السائدة في المجتمع.

لهذا تعمق لدى الجماعة المسيحية الاستناد للخارج الغربي، وهو ما أدى إلى تحول الجماعة المسيحية من دور الجماعة المضطهدة إلى دور الجماعة التي تستقوي بالخارج، وتشعر بأنها محمية به. ولهذا بدأت تظهر صورة مختلطة لجماعة تشعر بالاضطهاد والقوة معا، وهو صورة مركبة لجماعة أقنعت نفسها بأنها جماعة في خطر، وفي نفس الوقت ترى أنا جماعة أصلية وراسخة، وتشعر بأنها تحتمي بالغرب المهيمن، لذا تختلط مشاعر الاضطهاد بمشاعر القوة، وتنتج تصرفات لها منطقها الخاص، ولا تستجيب للواقع المحيط بها، بل تستجيب فقط لمنطقها، أيا كانت ردود الفعل أو المتغيرات المحيطة بها.

وإلى المقال القادم..
________________________________________________________
مسيحيو مصر.. الهروب إلى الهاوية (9)

د. رفيق حبيب | 16-11-2010 00:44

شكلت الجماعة المسيحية في مصر لنفسها وعيا خاصا، ترى الأمور من خلاله وتفسر به أحداث الواقع، مما جعلها تصل لخلاصة خاصة بها في كل موقف تمر به، وفي كل حادثة مواجهة مع الجماعة المسلمة. مما أنتج وعيا خاصا لا يستجيب لمواقف الآخرين، ولا يتأثر بالمواقف الأخرى، وهو ما أدى إلى تشكل نموذج الجماعة المنعزلة، على الأقل في مستوى الوعي. ولأن الجماعة المسيحية لاذت بالكنيسة، واعتبرتها ملاذا آمنا لها، لذا أصبحت الجماعة المسيحية تجد مؤسسة تمثل كيانا خاصا بها، وتمثل حاضنة لها ولنشاطها. وأصبحت الكنيسة تمثل وعي الجماعة المسيحية، وتنميه وتعمقه في الوقت نفسه. مما جعل الجماعة المسيحية تشعر بصواب وعيها، وبأنها تدرك الواقع بصورة صحيحة، فالتوافق الجماعي الذي تكرسه المؤسسة الكنسية، يعطي للجماعة المسيحية شعورا بصواب وعيها وتفسيرها للأحداث، كما يقنعها بصواب مواقفها. ومن خلال الترابط والتفاهم والتحالف، بين الدولة والكنيسة، تشكل لدى الجماعة المسيحية شعورا بأنها تحتمي بالكنيسة، وتجد فيها الحماية اللازمة. كما تشكل لدى الجماعة المسيحية قناعة بأنها قادرة على تحقيق ما تتصوره لمستقبل مصر، من خلال شعورها بأن التحالف بين الدولة والكنيسة، والتحالف بين الكنيسة والجماعة المسيحية مع النخب العلمانية، بالإضافة للحماية والتدخل الغربي، يوفرا ظرفا مناسبا لأفكارها الخاصة ببناء دولة قومية مصرية علمانية، معتمدة على الدعم الغربي، مما يوفر للجماعة المسيحية مكانة أفضل في المجتمع، ويوفر لها أيضا مستقبل أفضل.

فقد باتت الجماعة المسيحية تحتمي بفكرة القومية المصرية، وتجد أن مكانتها في ظل الهوية المصرية أفضل، حيث تعتبر نفسها أصل الهوية المصرية. لهذا أصبحت ترفض بشدة الهوية العربية والإسلامية، والتي ترى أنها تقلل من مكانة الجماعة المسيحية، ويمكن أن تفقدها موضعها وتميزها. وبهذا تعلقت الجماعة المسيحية بالظرف الدولي والإقليمي والمحلي الراهن، وأصبحت ترى أن الوضع الراهن يمثل بالنسبة لها مستقبل أفضل. فارتبطت الجماعة المسيحية والكنيسة معها، بالحالة الراهنة، رغم أنها حالة مرفوضة شعبيا، وتمثل وضعا يعادي هوية المجتمع المصري، وهوية المجتمعات العربية والإسلامية. وهنا يظهر التعارض بين موقف المجتمعات العربية والإسلامية عامة، ومنها المجتمع المصري، وموقف الجماعة المسيحية في مصر، وبعض الجماعات المسيحية الأخرى، أو بعض جماعات الأقلية الأخرى، حيث يرفض المجتمع الوضع الراهن، والذي تتعلق به الجماعة المسيحية، وتريد استمراره. فيصبح وضع الجماعة المسيحية مرتبطا باستمرار الواقع الراهن، ومع تغيره تتعرض الجماعة المسيحية لموقف لم تحسب له حساب.

والمشكلة التي سوف تواجه الجماعة المسيحية ترتبط بتغير الواقع الراهن، وزوال الاستبداد، وبداية مرحلة التحرر المجتمعي الحقيقي. فعندما يتحرر المجتمع ويعبر عن رؤيته وتصبح رؤية المجتمع هي السائدة وهي الحاكمة، ستجد الجماعة المسيحية أنها شكلت لنفسها وعيا خاصا منفصلا عن وعي المجتمع، مما يجعلها في مواجهة مع المجتمع. كما ستصبح الجماعة المسيحية في وضع الجماعة الأقل عددا التي تحالفت مع الحكم المستبد المعادي للمجتمع. وهنا تتبلور حالة الانفصال بين الجماعة المسيحية ومجتمعها.

وبجانب هذا، يظهر من موقف الجماعة المسيحية أنها أصبحت أميل لبناء وجودها في المجتمع على أساس أنها جماعة خاصة، أو جماعة لها خصوصية، بحيث لا تحتفظ فقط بتميزها الديني، ولكن تحول هذا التميز الديني إلى تميز ثقافي وحضاري، وتصبح جماعة أصلية لها مكانة خاصة، وفي نفس الوقت لا تندمج بالكامل في المجتمع، باعتبار أن المجتمع تسود فيه رؤى ذات هوية عربية وإسلامية، مخالفة لهوية المجتمع المصري كما تتصورها الجماعة المسيحية. وبهذا ندرك أننا بصدد جماعة تبني لنفسها هويتها الخاصة وتريد الحفاظ على وضعية خاصة بها، وهي بهذا تعمل أساسا في اتجاه الانعزال النسبي عن المجتمع، وتحاول جعل كيانها الخاص، والمحمي داخل أسوار الكنيسة، معبرا عن هويتها التاريخية، وعن تميزها الحضاري والثقافي عن بقية المجتمع، تحت شعار الحفاظ على الهوية المصرية الأصلية، ذات الجذور الفرعونية.

والناظر إلى الواقع المصري يمكن أن يدرك أن قيم العيش المشترك قامت على أسس مختلفة، فهي كانت تعبيرا عن الهوية المشتركة الثقافية والحضارية، كما كانت تعبيرا عن القيم الدينية المتفاعلة داخل سياق حضاري واحد، مما جعل قيم المسلم وقيم المسيحي تتفاعل داخل منظومة حضارية واحدة، وتبني نظاما اجتماعيا ومنظومة قيم ذات أساس ديني. فأصبح الاختلاف في الدين لا يفرق، لأن قيم العيش المشترك قامت على القيم الإسلامية بالنسبة للمسلم والقيم المسيحية بالنسبة للمسيحي. فقد بنى المجتمع المصري هويته المشتركة، والتي تمثل التميز المصري داخل الهوية العربية والإسلامية، ولم تكن الهوية مطروحة كمشكلة، بل كانت هي الحل، وهي الوعاء الذي يستوعب الجميع. وظلت الهوية العربية والإسلامية، تمثل الإطار العام الذي وحد المجتمع المصري مع المجتمعات العربية والإسلامية.

نقصد من هذا، أن المشكلات التي كانت تحدث بين المسلمين والمسيحيين، لم تكن تترجم إلى أزمة هوية، بحيث ينظر لتلك المشكلات وكأنها مشكلة في تعريف الهوية، فكانت الهوية متفق عليها، والمشكلات التي تحدث تنتج من سلوك اجتماعي أو سياسي خاطئ، ويتم حلها من خلال توافق المجتمع على المرجعية المستند إليها. ولكن عندما أصبحت الجماعة المسيحية ترى أن المشكلة في المرجعية نفسها وفي الهوية نفسها، أصبحت مندفعة نحو تغيير هوية المجتمع المتفق عليها من أغلبيته، ورغم أن هذا غير متاح عمليا، إلا أن الجماعة المسيحية مازالت مندفعة في اتجاه يقوم على تغيير هوية المجتمع. وكأن الظرف الراهن، والقائم على الاستبداد السياسي والتحالف مع الغرب، يمكن أن يكون ظرفا نهائيا، مما يسمح بتعديل هوية المجتمع، رغم أن استمرار الظرف الراهن، لن يؤدي مهما طال أمده لتغيير هوية المجتمع، لأن المجتمعات تبني هويتها عبر تاريخها الطويل، ولا تغير هويته بضغوط التدخل الخارجي أو الاستبداد الداخلي.

والظاهر أن الجماعة المسيحية في مرحلة يصعب فيها تقييم موقفها أو إعادة النظر في قناعتها، وهي مندفعة في توجهاتها رغم المؤشرات التي تؤكد خطورة تلك التوجهات على الجماعة المسيحية نفسها. فالطريق القائم على بناء وعي منفصل ورؤية سياسية واجتماعية منفصلة، وهوية ثقافية وحضارية منفصلة، يعني تعميق الفجوة بين المسلمين والمسيحيين، والمشكلة التي تحدث بين المسلمين والمسيحيين تنتج أساسا من وجود فجوة بينهما. والتعصب الذي ينتشر بين المسلمين والمسيحيين، يعبر عن وجود فجوة بينهما. فالبعد بين جماعتين داخل الوطن الواحد، يعني انفصال الخبرات والوعي، وتراجع خبرات التعايش المشترك. فالانعزال هو حالة تصيب الجماعات الأقل عددا، مما يعرضها لمشكلات، والخروج من الانعزال يسمح بتجاوز ما يحدث من مشكلات، ولكن تعميق الانعزال يعني تكريس الوضع الراهن، مما يؤدي إلى تفاقم المشكلات، وإحداث المواجهة بين المسلمين والمسيحيين.

والواضح أننا بصدد مرحلة تاريخية خاصة، حيث تعمقت المشكلة الدينية وحالة الاحتقان الديني، وأصبحت الجماعة المسيحية تحمل وعيا خاصا وتندفع فيه حتى النهاية، وتريد بناء واقعها وواقع المجتمع بالصورة التي تتصورها، رغم أنها جماعة أقل عددا، ولا يمكنها تجاهل الأغلبية. والظاهر أن تلك الحالة تمثل اندفاع جماعي يغيب الرؤى الأخرى، والرؤى المحيطة به، وهو حالة يصعب الخروج منها. وربما تتغير تلك الحالة مع حادثة مزلزلة، أو لحظة حرجة، أو حادثة بحجم الكارثة، وربما يكون تحرر إرادة المجتمع من الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية، هو اللحظة الكاشفة التي تسمح بالمواجهة الواقعية بين الرؤى المختلفة، وتسمح بمناخ للتفاعل الحر، يجعل للمجتمع القدرة على تحديد مرجعيته بصورة تعيد للجماعة المسيحية وعيها المفقود بأسس العيش المشترك في المجتمع المصري.

انتهى..
______________________

مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي


مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (1)
كتبت بواسطة د.رفيق حبيب
أن تكون باحثا وقبطيا وقريبا من الحركة الإسلامية، فهذا وقوف في مربع ساخن، وفي منطقة ملتبسة، يرفض البعض أن يراك فيها. ففي كل لحظة تاريخية هناك مساحات من المناطق المغلقة، والتي لا يريد البعض أن تقتحم. فهناك

مساحات محظورة تحافظ على بقاء الأوضاع الراهنة، وتستخدم لتحقيق مصالح سياسية، واقتحام تلك المساحات يسبب قلقا للبعض، فيحاول منع أي أحد من اقتحامها.

وبسبب حالة الاحتقان والفرقة التي تعاني منها الأمة، يصبح الخروج على المواقف المألوفة أمرا يزعج البعض، لأنه لا يتطابق مع القوالب السائدة. فمن يتعامل مع الحركة الإسلامية بنزاهة البحث العلمي الموضوعي، يتجاوز

حسابات النظرة السياسية المخاصمة للحركة الإسلامية، والتي تريد ليس فقط رفضها، بل وتشويه صورتها أولا حتى تتمكن من الانتصار عليها، نظرا لما تتمتع به الحركة الإسلامية من تأييد شعبي واضح.

فإذا كنت باحثا وقبطيا، وتريد رصد الصورة الحقيقة للحركة الإسلامية، تصبح كمن يتجاوز كل المحظورات، غير عابئ بحسابات السياسة والمصالح.
وإذا كنت باحثا يريد رسم صورة موضوعية عن الحركة الإسلامية، بعيدا عن خلافات الحركات الإسلامية، وبعيدا عن الخلافات داخل الحركة الواحدة، وتريد أن تحافظ على موقع الباحث عن الحقيقة.
فأنت كمن يريد البحث في مناطق مختلف عليها، وفيها من الخلاف أو الصراع ما ليس بقليل، ويريد أن يظل طرفا محايدا، وهو أمر لا تقبله بعض الأطراف، والتي تريد تصفية خلافاتها والانتصار لفكرتها، دون تدخل من أحد، ومن

يتدخل حتى وإن كان عن غير قصد، يصبح خصما، عليه أن يدفع ثمن إخلاله بميزان المواجهة بين الآراء المختلفة.
وكأنه من الممكن أن يكتب الباحث، دون أن يكون لما يكتبه تأثير على الآراء المختلفة، أي أن يكتب دون أن يكون لما يكتبه معنى محدد. أما إذا كنت تريد معرفة ماهية المشروع الإسلامي، فأنت بين آراء واجتهادات مختلفة، فإذا

رأيت تصورا، ستكون كمن يرفض التصور الآخر.. وتصبح المشكلة في معرفة ما هو المشروع الإسلامي، ولا يبقى إلا أن تنحاز لفريق ضد آخر، وتدخل في المعارك بين الاتجاهات المختلفة، ويصبح عليك دفع ثمن تلك الخلافات.
فمن يريد أن يتعرف على أسس المشروع الإسلامي المجمع عليها، كمن يريد أن يكون حكما بين المختلفين، فتصل له نيران تلك الخلافات.وإذا اقتربت من فصيل إسلامي، ثم اقتربت من فصيل آخر، فأنت كمن يؤيد فريق على

آخر، ثم يغير موقفه. وإذا كانت رؤيتك تصب في مصلحة رؤية داخل الحركة الإسلامية، فأنت كمن يحارب أصحاب الرؤى الأخرى.
وإذا أردت معرفة ورصد حالة الحركة الإسلامية، فستجد نفسك مرة أخرى بين من يختلفون على توصيف تلك الحالة.. وتصبح كمن انحاز لطرف لصالح الآخر، لذا يجوز في حقك نفس الاتهامات التي يكيلها طرف لآخر، وكأنك

كنت جزأ من المشكلة وتاريخها، رغم أنك لم تكن طرفا فيها.
فإذا كنت قبطيا في لحظة ترفض فيها الجماعة القبطية الهوية الإسلامية جملة، وليس فقط المشروع الإسلامي، فيصبح موقفك أصعب.. لأن مخالفة الجماعة التي تنتمي لها له ثمن، والثمن يأتيك من الجماعة ومن كنيستها.. وليس من

حقك أن تقول أنه علينا النظر في الاحتمالات الأخرى، أو التفكير بصورة مختلفة.
أما إذا أردت هدم الفجوة بين الجماعة المسيحية والمشروع الإسلامي، ونحن في زمن الفتنة، فتكون كمن تجاوز كل الخطوط الحمراء، وتجرأ على حسابات النظام الحاكم والدول الغربية الداعمة له، وتجرأت أيضا على حسابات

التحالف بين الدولة والكنيسة، وحسابات النخب العلمانية التي تستقطب الأقباط، وتجرأت أخيرا، على حالة الرفض المنتشرة بين صفوف الجماعة المسيحية للمشروع الإسلامي.
فإذا أردت بعد كل هذا أن تبقى باحثا وقبطيا، وقريبا من الحركة الإسلامية، يصبح عليك أن تدفع ثمن إصرارك على السير في عكس الاتجاه، ودفع غرامة مخالفة قواعد اللعبة، والتغاضي على قواعد الصراع الحاكمة للمنطقة

العربية والإسلامية، والحاكمة للأوضاع في مصر.
وتلك مجازفة كبرى، ثمنها كبير، ويأتيك من كل اتجاه، من الجماعة المسيحية أو من الكنيسة، كما يأتيك من النخب الحاكمة أو النخب العلمانية، ويأتيك أيضا من داخل الحركة الإسلامية نفسها، والتي قد يرى بعض المنتمين لها

أنك تقف في موضع ليس مألوفا، وكل ما هو ليس مألوفا، فهو يثير الريبة.
فماذا يدفعك بعد ذلك أن تكون قبطيا وباحثا وقريبا من الحركة الإسلامية؟!!
هل هو حب المغامرة والمخاطرة؟!!
أم البعد عن المألوف؟!!
وكأنه لا يوجد احتمال آخر، بأن تكون باحثا عن مستقبل أمة تعيش في خطر.
إن ما كان في الماضي من توافق حول المرجعية والهوية، لم يعد موجودا على الأرض الآن، فكان من السهل على القيادي القبطي البارز مكرم عبيد، أن يقول أنه مسيحي دينا ومسلم حضارة، ولكن هذا القول لم يعد يجرؤ عليه

أحد، وإلا ناله الهجوم من كل جانب.
فسوف يأتيه الهجوم من الجماعة المسيحية، والتي ترى في ما يقول خروجا على الهوية المسيحية، والهوية المصرية الخالصة.
وسوف يأتيه الهجوم أيضا من طرف إسلامي، لا يفهم لماذا يكون موقفه مختلفا عن غيره من أبناء جماعته المسيحية. وتصبح المشكلة في كيفية بناء جسر بين الجماعة المسيحية والحركة الإسلامية، فأي حركة إسلامية وأي بديل

إسلامي، وما هو المعيار الذي يمكن القبطي من فهم الاختلافات بين الحركات الإسلامية، ومعرفة مواقفها. فإذا كان هدفك هو بناء جسر من التفاهم والفهم بين الجماعة المسيحية، والتيار السائد في المشروع الإسلامي، فقد أوقعت

نفسك في مشكلة أكبر.. فأنت كمن ينحاز لفريق ويعتبره تيارا سائدا داخل الفكرة الإسلامية، وهو بهذا يقلل من شأن الفرق الأخرى، حتى وإن لم يقصد.
فإذا كان التنافس قد أنحصر في بعض الحالات حول من هو الأحدث والأكثر تطورا، فلن يقبل منك أن تدخل في تلك المعركة التنافسية، ولن يقبل البعض إلا أن تكون معه، أو تكون خصما للرؤية الإسلامية الحديثة التي يمثلها.
وإذا كانت رؤيتك تتوافق مع رؤى توصف بالتشدد، ستصبح متشددا.
وإذا جاءت رؤيتك متوافقة مع الرؤى التي توصف بالمهادنة، فسوف تكون متآمرا على الحركة الإسلامية.
والحقيقة أنك في كل الحالات ستكون متآمرا، لأن حالة الخلاف الحادثة داخل الساحة الإسلامية، جعلت التهم تلقى يمينا ويسارا، ولا يمكن لأحد، خاصة إذا كان باحثا وقبطيا، أن يظن أنه بمنأى عن تلك المعركة، أو يمكن أن

يترك لحاله، على أساس أنه ليس طرفا في خلافات الحركات، أو خلافات التنظيم.
فلا يقبل بحال أن تكون تصوراتك تفيد طرف أو تتوافق مع تصوراته، دون أن تكون خصما لخصومه.
وتصبح مشكلة من يبحث عن أسس الفكرة الحضارية الإسلامية، ويريد أن لا يكون طرفا بين الخصوم الإسلاميين، أنه كمن يريد أن يؤثر على حسابات خلافات الفصائل، ولا يتأثر بما فعل.
فهل هي جريمة إذن أن تكون باحثا وقبطيا، ومناصرا للحركة الإسلامية؟!!
فلماذا تقدم على هذه الجريمة، إن كانت جريمة؟!!
ولماذا تقدم على هذه المخاطرة، إن كانت مخاطرة؟!!
وهل هناك ضرورة لذلك، رغم ارتفاع التكلفة والضريبة، وهناك سبل لها عائد وبدون تكلفة؟!!
تلك هي الأسئلة المحورية التي توجه لقلم باحث قبطي، وهو كاتب هذه السطور، وتفتح ملفا كنت أظنه لن يفتح إلا في نهاية المشوار، ولكنها الأقدار إذن.
______________________________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (2)


د. رفيق حبيب | 11-08-2010 00:19

لا يمكن أن تكون باحثا ولا تكون منحازا، فلا يوجد علم موضوعي مطلق، ولكن العلم يبنى على قيم ومسلمات ومبادئ، وتلك القيم تمثل انحياز الباحث. فالعلم يستند إلى قيم توجه رؤيته وتحدد وظيفته، ومن خلال تلك القيم

يبني الباحث دوره المجتمعي. ولكن في ما بعد تلك القيم التي ينحاز لها الباحث، عليه أن يبقى موضوعيا تجاه الظواهر التي يدرسها. والطبيعي أن يكون الباحث منحازا لمجتمعه، ويستند إلى قيم مجتمعه، ويعمل من أجل مصلحة

مجتمعه، وهو ما يحدث في مختلف البلاد المتقدمة، والتي تقدم لنا علما منحازا لقيمها، لأنه علم وضع لخدمة مجتمعاتها.

وبالمثل يجب أن يكون الباحث في بلادنا منحازا لمجتمعه، ومنحازا للقيم الحضارية المشكلة لهوية مجتمعه، ولكن لأن بلادنا تمر بأزمات هوية، فأصبح على الباحث أن يحدد منذ البداية انحيازه المعرفي، والقيم التي يستند عليها. وكان

تصوري منذ البداية، أن على الباحث أن يكتشف هوية مجتمعه، مادامت هناك أزمة هوية، ومن خلال البحث يحدد الباحث الهوية والقيم التي يراها معبرة عن المجتمع، ثم ينحاز لها. فلا يمكن للباحث أن ينحاز لغير ما ينحاز له

المجتمع، وإن كان غالب الباحثين في البلاد العربية والإسلامية ينحازون للعلم الغربي وللقيم الغربية. لذا كانت بداية مشوار الباحث تبدأ بعملية اكتشاف الهوية الحضارية للمجتمع المصري. وتوصلت مثل غيري، أن الهوية الحضارية

للمجتمع المصري هي الهوية الحضارية الإسلامية، وأن المجتمع المصري له خصوصية ثقافية مصرية، ولكنه جزء من الهوية الحضارية العربية، والأخيرة جزء من الهوية الحضارية الإسلامية. وعليه يصبح المجتمع المصري جزءا من الأمة

الإسلامية.

وتشكل تصوري الأساسي، بأن البحث الاجتماعي يجب أن ينطلق من منظومة القيم التي يستند لها المجتمع المصري، ويعمل على حمايتها. لهذا لا يصبح موقف الباحث من كل المشروعات الحضارية واحدا، لأنه يرى أن المشروع

الحضاري الإسلامي يعبر عن المجتمع وينبع منه، أما المشروع الحضاري الغربي فغريب عن المجتمع، ويفرض عليه. وكل باحث يضع لنفسه مجالا يدرسه ويعطيه الأولوية، وقد كنت أرى ومازلت، أن الظاهرة الدينية تمثل محورا

مركزيا في حياة المجتمعات العربية والإسلامية، وأن الدين يمثل المحور المركزي المشكل لتلك المجتمعات، وعليه رأيت أهمية دراسة الظواهر الدينية، ومنها الحركة الإسلامية، وأيضا الحركات المسيحية، لأنها تمثل ظواهر أساسية مشكلة

لمستقبل وحاضر المجتمعات العربية والإسلامية، ومنها المجتمع المصري.

هكذا كان اختيار الباحث، أن يدرس الظواهر الدينية بوصفها مفتاحا لمعرفة الحاضر والتنبؤ بالمستقبل، وأيضا لأن الدور المحوري للدين، يعني أن الظاهرة الدينية هي التي سوف تصنع النهوض الحضاري، المستند للمرجعية الحضارية

للأمة، وهي المرجعية الإسلامية. فتصبح متابعة الظاهرة الإسلامية، والحركة الإسلامية، هي جزء من الاهتمام بمصير مشروع النهضة. وعندما يتأكد للباحث، أن الحركة الإسلامية تمثل التيار الذي يعمل على إحياء المرجعية

الحضارية الإسلامية، ومادامت هذه المرجعية تمثل هوية الأمة، لذا تصبح الحركة الإسلامية هي العمود الفقري لمشروع الإصلاح والتغيير، ومشروع النهوض الحضاري، ويصبح كل ما يتعلق بها ويرتبط بها ويؤثر عليها، له تأثيره

المباشر على مستقبل الأمة. وبهذا تتشكل قناعة الباحث الأساسية، والتي يبني عليها مشروعه البحثي. وكان في تصوري، أن دور البحث يستكمل بدور المنظر، والمنظر هو من يقوم بوضع إطار نظري تفسيري للظواهر الكلية أو

الجزئية، بهدف الوصول إلى نموذج يفسر الظواهر ويفسر حركتها عبر التاريخ، ويشرح بالتالي تحولاتها المستقبلية.

هكذا تحددت مسلمات الباحث، في التحيز إلى الهوية التي يجمع عليها المجتمع، وتمثل هويته التاريخية، أي الهوية المتحققة تاريخيا. والمرجعية الحضارية لأي مجتمع، ليست فرضا خياليا، بل هي مجموعة من القيم والمبادئ التي يؤمن بها

أغلب الناس. لذا فالمرجعية الحضارية للمجتمع المصري، توجد في الوعي الجمعي لأغلبية المجتمع المصري، ومن خلال الملاحظة يستطيع الباحث التوصل إلى القيم السائدة في الوعي الجمعي للمجتمع المصري، وتصبح تلك القيم

ممثلة للمرجعية الحضارية للمجتمع. وكل مجتمع يريد أن ينهض لا يمكن له أن يحقق ذلك من خلال تقليد الآخرين، وتلك مقولة علمية أخرى يستنتجها الباحث من دراسته، فعندما تجد أن كل الأمم والشعوب قد حققت نهضتها

من خلال تميزها الحضاري، فيصبح مصير المجتمعات العربية والإسلامية متفقا مع تلك القاعدة، فمن خلال التميز الحضاري للمجتمعات العربية والإسلامية، يمكنها تحقيق النهضة، ولكن من خلال تقليد الآخرين، فلن تحقق إلا

التبعية الحضارية للحضارة الأقوى، أو للقوى المهيمنة. وهكذا تتشكل قناعة الباحث تدريجيا، حتى يبني العديد من المسلمات، والتي تمثل إطاره النظري الذي يفسر به الظواهر التي تشغله.

وعندما يرى الباحث أن هوية مجتمعه هي الهوية الحضارية الإسلامية، ويصبح ملتزما بالقيم السائدة في المجتمع، يصبح بالضرورة منحازا للتيار الذي يحمل تلك القيم، ويصبح أيضا منحازا ضد التيارات التي تعارض تلك الهوية، والتي

تخاصمها، أو تعمل على هدمها. ولكن تحيز الباحث للتيار الذي يراه معبرا عن هوية المجتمع، وضد التيارات الأخرى، ليس انحيازا سياسيا، فهو ليس نتاجا لاختياره السياسي، بقدر ما هو نتاجا لاختيار المجتمع، الذي حدد هويته

الحضارية. لذا يتعامل الباحث المنحاز لهوية المجتمع، مع التيار العلماني باعتباره تيارا وافدا، ويدرس تأثيره على المجتمع، من خلال تأثيره على بنية المجتمع وهويته. وليس معنى هذا، أن الباحث تحول إلى سياسي، لأن من يرى أن هوية

المجتمع هي الهوية العربية الإسلامية، فقد ألزم نفسه بمنظومة توجه بحثه في إطار القيم التي رأى أن المجتمع ملتزم بها، أي هوية المجتمع.

والباحث يختلف عن السياسي، وتلك قضية مهمة، يبدو أنها أصبحت تمثل مشكلة، فقد أصبح البعض ينظر للباحث مثل نظرته للسياسي. والفاعل السياسي له موقف، وله منهج يعتمده، وله توقعات وحسابات خاصة به، وبالتالي

فهو منحاز، ليس فقط لمشروعه، بل ومنحاز لطريق خاص داخل المشروع، ومنحاز أيضا لمنهج خاص، ومنحاز لطريقة حسابات وأسلوب محدد في قياس التوقعات. فالفاعل السياسي، منحاز دائما، وليس فقط غالبا. في حين أن

الباحث غير منحاز، إلا للقيم التي يعمل من أجلها، ويلتزم بها. والباحث ليس منحازا لتيار ضد آخر، إلا من خلال قرب تلك التيارات وبعدها من القيم التي أعتبرها الباحث ممثلة لهوية المجتمع. لهذا يختلف موقف الباحث عن

موقف السياسي، فالسياسي يرى كل الأمور من خلال تقييمه الخاص، فقد يراها صوابا أو خطأ، ولكن الباحث يرصد الحقيقة على أرض الواقع، ويحاول أن ينقل صورة الواقع ويحلله ويفسره، ولكنه ليس معنيا باتخاذ موقفا

سياسيا، لأنه أصلا ليس فاعلا سياسيا. والكثير من الكتابات تخلط بين الموقف السياسي والموقف البحثي، لأن الكثير من الباحثين لهم موقف سياسي، ويقوموا بأكثر من دور. ولكن موقف الباحث الذي يريد معرفة الظاهرة، يركز

أساسا في طبيعة الظاهرة، ومحاولة فهمها وتفسيرها، ويرصد تأثيراتها، وتأثير العوامل المحيطة بها. فالباحث الذي لا يمارس دور الفاعل السياسي، لا يكون معنيا بتقييم كل ما يتناوله ليضعه في خانة الصواب والخطأ، مثل السياسي.

وما يقوم به الباحث من رصد، يسمح له بتحديد مدى قدرة الحركة أو التيار على تحقيق أهدافها، وتحديد المتوقع من سلوك الحركة في المستقبل، ومدى قدرة الحركة على صد المعوقات التي تواجهها، ولكن هذا غير موقف الفاعل

السياسي، الذي يقترح البدائل ويطالب الحركة بتغيير خطتها أو أساليبها.

هكذا يتضح مع الوقت، كيف أنه من الصعب أن تكون باحثا، في قضايا تحولت إلى معارك سياسية طاحنة، فإذا بقيت في مربع الباحث، تصبح في موقف يكثر من الغاضبين منك وعليك، ففي معارك السياسة، لا مكان لموقف

الباحث. فإذا كان من الصعب أن تكون باحثا، فمن الصعب أن تكون باحثا وقبطيا، وقريبا من الحركة الإسلامية!

وإلى المقال القادم..
_______________________________________________________________

مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (3)
بقلم:
د. رفيق حبيب
نقلاً من المصريون

إذا كنت باحثا، وتوصلت أن الهوية الحضارية الإسلامية، هي هوية المجتمع المصري، فهذا يعني أن النهوض الحضاري الإسلامي، هو السبيل لتحقيق الاستقلال والنهضة في المجتمع المصري، وفي كل الأمة الإسلامية. ولكن أن تكون

باحثا وقبطيا، وتصل إلى هذه الرؤية، فأنت أمام مشكلة، لأن مصر شهدت منذ سبعينات القرن العشرين صراعا حول الهوية، جعل معظم الجماعة المسيحية في مصر تبتعد عن الهوية الإسلامية، والهوية العربية أيضا. لذا فنحن في

مرحلة صراع الهوية، وعندما تجد كباحث أن الهوية الحضارية للمجتمع المصري هي الهوية الإسلامية، سوف تصبح في مأزق كقبطي. ولكن القبطي استعان بالباحث، فهو من توصل لتلك النتيجة، وبدأت رحلة البحث عن واقع

الهوية الحضارية للمجتمع المصري، ورغم أنها رحلة طويلة، إلا أن خلاصتها ربما تكفي في هذا المقام.
فالمجتمع المصري له تقاليد اجتماعية ونظام اجتماعي ملاحظ، يمكن رصده ومعرفة أسسه ومبادئه. وهو مجتمع متدين ومحافظ وشرقي، له طابعه الخاص المستمد من نموذج حضاري خاص به. والمتابع للقيم السائدة في اللغة

والتصرفات لدى المنتمين للمجتمع المصري، يمكن أن يلاحظ حجم التشابه الحادث بين المكونات المختلفة للمجتمع. فهو مجتمع متدين يعلي من قيمة الدين، ويعلي من شأن حكم الدين، وهو أيضا يفعل قيم الدين في حياته

بدرجات مختلفة، ولكنه مؤمن بأن قيم الدين هي القيم الأصلية المطلقة. وهو مجتمع يتميز بقيم العدل والتراحم والتكافل والتضامن الاجتماعي، وأيضا هو مجتمع محافظ يعرف أن للحرية الفردية حدودا، ويعلي من شأن العفة

والاحتشام، ويتميز بوضع ضوابط لتأسيس الأسرة، ويجعل من أساس الأسرة أساسا دينيا. وهكذا تجد العديد من القيم المشتركة، والتي لا تميز جماعة عن أخرى داخل المجتمع، وتشكل نمطه الاجتماعي الغالب، والذي توافق عليه

المجتمع عبر القرون، وأصبح يمثل الوعي الجمعي.
تلك الحقائق تؤكد على أننا بصدد مجتمع له قيم مشتركة، وهي تمثل مرجعيته الحضارية، وقد يسميها المسلم بالمرجعية الحضارية الإسلامية، ويعتبرها المسيحي بمرجعية حضارية مصرية. ولكن الواقع الاجتماعي يكشف على أن

النموذج الحضاري المتحقق في مصر، هو النموذج الحضاري العربي، وهو أيضا النموذج الحضاري الإسلامي. فنحن بصدد مجتمع له مرجعية حضارية متحققة في حياة الناس مع اختلافهم في الدين، وهذه المرجعية تتمدد داخل

الخصوصية الثقافية المصرية، ثم تتمدد أيضا داخل الهوية الحضارية العربية الإسلامية. لذا يمكن القول: بأن النموذج الحضاري المتحقق في المجتمع المصري، هو النموذج الحضاري الإسلامي، والذي نجده متحققا في الوعي الجمعي

للمصريين عامة، رغم النزاع حول مسميات الهوية، ونجده أيضا متحققا في الوعي الجمعي العربي والإسلامي.
ومادام الوعي الجمعي للمصريين جميعا يحتفظ بنفس القيم، ويعرفها بنفس المعنى، إذن فقد تحققت الوحدة الحضارية للمجتمع المصري تاريخيا، وأصبح المطلوب هو استعادة تلك الوحدة الحضارية، لتحقيق وحدة الجماعة الوطنية

المصرية، ثم لتحقيق وحدة الأمة الإسلامية كلها، وتحقيق نهضتها. ولكن هذه الخلاصة، والتي تحتاج بالطبع للمزيد من الشرح، تواجه بحالة من حالات نزاع الهوية الحادة في المجتمع المصري، والعديد من المجتمعات العربية والإسلامية

الأخرى، والتي من مظاهرها رفض بعض الجماعات المسيحية العربية، خاصة في مصر، للعنوان الحضاري الإسلامي. حيث ترى الجماعة المسيحية في مصر، أن الهوية العربية أو الهوية الإسلامية، تؤدي إلى ذوبانها في هوية ذات عنوان

مختلف، وربما مضمون مختلف. لذا تحاول الجماعة المسيحية حماية نفسها داخل الهوية المصرية الخالصة، رغم أن قيم الجماعة المسيحية المحافظة والمتدينة، لا تختلف في النهاية عن إطار الهوية الإسلامية التي ترفضها.
هكذا يتصور "الباحث" أنه حل مشكلة الهوية "للقبطي"، ولكنه في الحقيقة كلفه بأن يعمل كباحث وكقبطي من أجل تأكيد الهوية والمرجعية الحضارية المشتركة، ويعمل على إثبات أن الهوية الإسلامية، تمثل مرجعا حضاريا

للمسيحي، وهي بالنسبة للمسلم مرجعا دينيا وحضاريا. ويصبح عليه أيضا، أن يكتشف حجم المشترك بين تطبيقات القيم الدينية الإسلامية والمسيحية في المجال الاجتماعي والسياسي. فبين الإسلام والمسيحية اختلاف في العقيدة

والعبادات، ولكن بينهما أيضا تشابه ومشترك ليس بقليل، في تطبيقات القيم الدينية في المجالات العامة. ولهذا يبقى التميز في مجال العقيدة والعبادة وقوانين الأسرة، ويظهر المشترك في التطبيقات العامة في الحياة، وهذا المشترك هو ما

يمكن تسميته بالنمط المحافظ المتدين الشرقي، والذي لاحظه الباحث الغربي بسهولة، فلم تكن تحاصره معارك الهوية. ولكن الباحث المنتمي للأمة، تحاصره مشكلات السياسة، وإذا كان قبطيا، تحاصره مشكلات السياسة

ومشكلات الاحتقان الديني.
ولكن الأمر لا يتوقف على مشكلة النزاع الديني أو نزاع الهوية، فهناك حسابات السياسة، حسابات النخب الحاكمة والنخب العلمانية، وأيضا حسابات الغرب، وكلها ترفض بشكل قطعي أن يتعامل القبطي مع المرجعية

الحضارية الإسلامية، أو أن يقترب منها ويتفاعل معها، لأن احتمال وصول الجماعة المسيحية لمصالحة مع الهوية الحضارية الإسلامية، يربك العديد من الحسابات، ويفشل العديد من مشروعات العلمنة والتغريب، وينهي استغلال

ورقة الاختلاف الديني في الصراع مع الحركة الإسلامية، واعتبار وجود المسيحيين سببا في منع نشاط الحركة الإسلامية. وبهذا يصبح التقريب بين الجماعة المسيحية والهوية الحضارية الإسلامية، وهو أمر صعب في المرحلة التاريخية

الحالية، يتجاوز لعديد من حسابات السياسة، بل يعد قفزا على مصالح القوى المهينة على الوضع في المنطقة العربية والإسلامية.
لهذا رأى الباحث القبطي، أن هذا المشروع لا يمكن إلا أن يكون مشروعا فرديا تطوعيا، يقوم به عن قناعة بأن ذلك يمثل مصلحة المجتمع والأمة كلها. وأنه لن يكون مشروع مؤسسة أو أي جهة، بل سيظل مشروعا يقف ضده

الكثير. وهو مشروع يقوم به فرد من الجماعة المسيحية، وستقف أمامه كل المؤسسات المسيحية، لأنه يهدم التوافق الحادث بين الكنيسة والدولة، ويتجاوز العديد من الخطوط الحمراء، في العلاقة بين مؤسسات الداخل ومؤسسات

الخارج، ويفشل كل محاولات جعل المشكلة الطائفية سببا في علمنة المجتمع، ويؤثر سلبا على المشاريع المسيحية التي تستنجد بالخارج الغربي. لذلك كان من المهم في تصوري، أن يكون نشاط الباحث القبطي مقصورا على جهوده

الذاتية ككاتب، حتى يكون الباحث مستقلا بالكامل عن أي جهة علمية أو بحثية، أو أي مشروع مرتبط بأي مؤسسة محلية أو خارجية، ويكون صاحب القرار الوحيد في كل كلمة يكتبها.
لكن كل هذا لا يحل المشكلة، فالباحث منحاز للمرجعية الحضارية وهو قبطي، ويتخطى حسابات كل الأطراف، لذا يصعب أن تصل فكرته لقارئه، ويحاول البعض منعها. وتصبح المشكلة أن المناخ نفسه غير مناسب حتى يفهمك

من تحاول توصيل رؤيتك له، لدرجة أنك تعجز عن إيجاد الكلمات المناسبة التي تجعل فكرتك على الأقل واضحة، خاصة للأطراف التي تقف على خط المواجهة الحضارية مع المشروع الإسلامي، ومنهم الجماعة المسيحية في مصر،

أو أغلبها.
أما أن تكون باحثا وقبطيا، ورغم كل ذلك تصر على أن تكون قريبا من الحركة الإسلامية، فهذا ما يجعل الموقف مرفوضا ومستهجنا من البعض، على أقل تقدير.
وإلى المقال القادم..
___________________________________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (4)
د. رفيق حبيب | 25-08-2010 00:34

توصل الباحث إلى أن الهوية الحضارية الإسلامية، هي الهوية المتحققة بالفعل في الوعي الجمعي للمجتمع المصري، أو أغلبه، وأنها هي أيضا الهوية المتحققة حضاريا في الوعي الجمعي للجماعة المسيحية، وأصبح القبطي يستهدف

البحث عن كيفية بناء الجسور مع الفكرة الحضارية الإسلامية، من منطلق تنمية الوعي بالقيم الحضارية المحافظة المتدينة الشرقية، والتي تميز المسلم والمسيحي، وتجمعهم في سياق الهوية الحضارية الإسلامية. وتلك المهمة، وهي غير

مرغوب فيها من قبل العديد من الجهات النافذة، تحتاج للبعد عن صراعات السياسة. والباحث بعيد عن السياسة، فدور الباحث غير دور السياسي. وكان الطريق الأفضل هو التركيز على الجانب الاجتماعي والحضاري المشترك،

والبحث عن القيم المشتركة في الحياة الاجتماعية، والتركيز على الظواهر الدينية والاجتماعية العامة، والتي تشكل ملامح المجتمع المصري، حتى يظل البحث في نطاق بعيد عن مجال السياسة وصراعاتها. ولكن الباحث رأى أن يأخذ

موقفا آخر، فقد رأى الباحث أن المشروع الحضاري الإسلامي يوجد على الأرض، ويتمثل في مشاريع حركية تقوم بها الحركات الإسلامية على اختلاف تياراتها، لذا أصبحت الفكرة الحضارية متحققة بالفعل، وأي كلام نظري أو

افتراضي عنها، يمكن أن يبدو بعيدا عن واقع الحركة الإسلامية، وقد يراه البعض يدخل في باب الأطروحة النظرية.

كما أن الباحث في تصوري، يرتبط بالظواهر التي يدرسها، لأنه يريد خدمة المجتمع الذي ينتمي له، ولهذا يصبح متفاعلا مع القضية أو المشكلة التي يهتم بها، ويحاول جعل ما يقوم به مفيدا للحركة على الأرض، وليس مجرد حديثا

نظريا غير متفاعل مع الواقع. ولكن هذا الاختيار، والذي يسمى بالبحث التفاعلي، يمثل مشكلة للباحث المهتم بالحركة الإسلامية، خاصة إذا كان قبطيا، وكان باحثا منحازا للهوية الحضارية الإسلامية، ويراها أنها موجودة في

الواقع وفي الوعي الجمعي للمجتمع، بمختلف مكوناته، حتى وإن لم ترى بعض تلك المكونات ذلك، واعتبرت وعيها الجمعي ممثلا لهوية مصرية خاصة، مثل الجماعة المسيحية في مصر. فرغم أن هوية الجماعة المسيحية في مصر، والتي

تتمثل في قيمها العليا لم تتغير، وقت أن كانت ترى الترابط بين هويتها وهوية المجتمع المسلم، إلا أنها أصبحت تصر على أن تلك القيم ليست عربية ولا إسلامية، رغم أنها هي نفس القيم السائدة لدى الجماعة المسلمة، والتي ترى

فيها الجماعة المسلمة، أنها قيم المرجعية الحضارية العربية الإسلامية.

لذا كنت ومازلت أتصور، أن التفاعل مع قضايا المجتمع، من أجل تحقيق المستقبل الذي يراه المجتمع ويريده، هي مهمة الباحث الذي يوجه بحثه من خلال القيم الحاكمة للمجتمع، ومن خلال الغايات العليا التي يتفق عليها المجتمع،

دون أن يفرض تصورات على المجتمع من خارجه. وكنت ومازلت أتصور، أن التفاعل مع الشأن العام من مهمة الباحث، وعليه إذا أراد أن يظل باحثا، ولا يتحول إلى فاعل سياسي، أن يبقى متفاعلا مع القضايا العامة، وحاضرا

في تلك القضايا. ويصبح متفاعلا مع المجال العام، ولكن كباحث فقط، وكنت أرى أن تلك المهمة ضرورية للبحث العلمي، ولكل اجتهاد علمي فردي. لذا تصورت، ومازلت، أنه لا يمكن البحث في المسألة الحضارية، دون

التفاعل مع الحركة الإسلامية، والتي تحمل المشروع الحضاري الإسلامي. ولا يمكن معرفة مآل المشروع الحضاري الإسلامي، إلا من خلال دراسة الحركات التي ترفع راية تحقيقه على أرض الواقع، ويصبح البحث التفاعلي وسيلة

مهمة حتى يستطيع الباحث التوصل إلى تصورات قريبة من الواقع، عن الحركة الإسلامية ومسارها ومستقبلها.

ولكن القرب من الحركة الإسلامية يصعب مهمة الباحث القبطي، فمن الأسهل أن يستمر في النظر في القضية الحضارية، دون الدخول إلى مرحلة التفاعل مع الحركة الإسلامية. ومن الأسهل أن لا يكتب عن الحركة الإسلامية، بل

ومن الأفضل له أن يعتبر أن الظاهرة الحركية الإسلامية ليست في مجال تخصصه، لأن كل ذلك يخفف من المشكلة، ويخفف من الضغوط التي يتعرض لها، وأيضا يخفف من المسئولية التي يتحملها بسبب قربه من الحركة الإسلامية.

كما أن البعد عن الحركة الإسلامية، يبعده عن صراعات السياسة، فيتمكن في البقاء في مربع العلم والثقافة، بعيدا عن حسابات السياسة وأثمانها. ولكن ليس دائما الأسهل، أو الأمن هو الأفضل. فالفكرة بغير تطبيق وبغير ربطها

بالتطبيق، تصبح مجرد فكرة يحملها فرد، وتصبح مثل حديث الندوات. ولذلك كان من المهم أن يتفاعل الباحث مع الحركة الإسلامية، وأن يبحث عن الرؤية الحضارية الإسلامية في التطبيق، وأن يتعامل مع كل شروط تلك

الرؤية، بما في ذلك القضايا المعقدة، أو التي تعقد موقفه ليس فقط كباحث، بل كقبطي. لأن التعامل مع الرؤية الحضارية الإسلامية، كما هي متحققة على أرض الواقع، هو اقتراب من المستقبل، ومن الصورة التي يمكن أن تتحقق

بفعل حركة التيار الإسلامي. وبهذا يصبح البحث مرتبطا بالفاعل الرئيس في المشروع الحضاري الإسلامي، وهو الحركة الإسلامية.

ولكن الباحث لم يختار حركة بعينها، ولا تصور أنه بحاجة للقرب من حركة عن أخرى، بل تصور أن عليه أن يتفاعل ويتحاور مع الفاعل الإسلامي والذي يحمل المشروع الحضاري، حسب الظروف التي رتبت العلاقات

والمناسبات، وفتحت أبوابا للتفاعل مع فاعلين من الساحة الإسلامية، وفتحت أبواب الحوار مع العديد من الإسلاميين من تيارات مختلفة، واقترب الباحث في فترات مختلفة من تجارب إسلامية، ومن حركات إسلامية مختلفة، ومن

الرموز الفكرية والحركية الإسلامية. وهو ما جعل مشروع الباحث يشمل محاولة فهم المشروع الحضاري الإسلامي، واكتشاف أبعاده المجتمعية، وأثره على مختلف مكونات المجتمع، وأيضا ربط ذلك بواقع الحركة الإسلامية، وما

تحققه بالفعل، حتى تتشكل رؤية متكاملة عن المنظومة الحضارية الإسلامية، والحركات المنتمية لها.

وتصورت أنه من المهم التوصل إلى النموذج المفسر لقيام وسقوط الحضارات، والنموذج المقارن للحضارات، والتحليل التفسيري للقيم والمفاهيم، لأن كل هذا يمكن الباحث من التعرف على تكوين المشروع الإسلامي، وبناءه

الداخلي، حضاريا واجتماعيا وتطبيقيا، وأيضا معرفة بنية الحركات الإسلامية، وهو ما يساعد على استشراف المستقبل. ولكن القرب من الحركة الإسلامية، يعني القرب من مشكلات السياسة وصراعاتها. ومن يقترب من

السياسة، حتى وإن كان باحثا، يجد أمامه العديد من المشكلات التي تعيق مهمته كباحث، وتدخله رغما عنه في صراعات السياسة، ليس فقط مع القوى المناوئة للتيار الإسلامي، ولكن بين القوى المختلفة داخل التيار الإسلامي

العريض، أو حتى الاتجاهات المتباينة داخل التنظيم الواحد. فغالبا ما يرفض الكثير من الحركيين، قبول الموقف الحيادي للباحث من اختلافات أو صراعات السياسة، أو يطلب منه أن يكون بلا تأثير على اختلافات الفرق

والاتجاهات، فإذا كان لتصوراته أثرا على خلافات المختلفين، أصبح طرفا رغما عنه في صراعات السياسة. ورغم شراسة المعركة مع التيار الإسلامي من قبل خصومة، فإن معارك الداخل الإسلامي تكون صعبة في كثير من

الأحيان.
___________________________________________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (5)

د. رفيق حبيب | 01-09-2010 00:51

عندما يتفاعل الباحث ويتحاور مع الحركة الإسلامية، يتاح له النظر في كيفية تحقق الفكرة الحضارية الإسلامية على أرض الواقع، والنظر في مناهج الحركات الإسلامية في تحقيق غايتها. وبهذا تكتمل الصورة أكثر، فكل فكرة لها

أسسها الخاصة بها، ولكن كل فكرة في التنفيذ تتشكل ملامحها تبعا للظروف والمتغيرات المحيطة بها. والحركة الإسلامية لا تقدم الفكرة الحضارية على المستوى النظري، ولكن تقدمها عمليا، مما يجعل مواقف الحركات الإسلامية، لا

ترتبط فقط بالفكرة التي تنتمي لها، بل ترتبط أيضا بالظروف والعوامل والمتغيرات التي تتفاعل معها. وهناك بالطبع مساحة بين الفكرة وتطبيقها، لأن كل تطبيق يمثل محاولة لتحقيق الصورة المثالية، ولكن كل تطبيق أيضا يقترب

بدرجة أو أخرى من تلك الصورة، فالتطبيق يمثل محاولة لبلوغ كمال الغاية المرجوة، ولكنه يظل محاولة بشرية ونسبية.

وكثيرا ما كان البعض يرى أن الفكرة الإسلامية الوسطية، هي فكرة نظرية، قد لا تتحقق على أرض الواقع بنفس تحققها على صفحات الرأي والفكر. فمع كثرة الهجوم على المشروع الإسلامي، تشكلت صورة سلبية عن

تطبيقات الفكرة الإسلامية لدى الحركة الإسلامية، عند فئة من الناس. لهذا تمثل العلاقة التفاعلية بين الفكرة والتطبيق، فرصة مهمة للباحث للنظر في طبيعة الواقع المحيط بالفكرة، وكيفية تأثير الظروف المحيطة بالحركات الإسلامية

عليها.

لكن موقف الباحث قد يختلف في لحظة تاريخية عن موقف القبطي، فالباحث المتخصص يرى أن دوره ينحصر في فهم وتحليل الظاهرة، ووضع الإطار النظري المفسر لها، مما يساعد القارئ والمتابع على فهم الظاهرة الإسلامية. لذا

يبتعد الباحث عن دور الفاعل السياسي في أحيان كثيرة. وكاتب هذه السطور كباحث، كان يرى أن دوره ينحصر في مهمة البحث، ولا يمتد إلى دور الفاعل السياسي. ولكن كاتب هذه السطور كقبطي، كان يرى أهمية تقديم

نموذج لما يمكن أن يتحقق من توافق بين المسلم والمسيحي على برنامج عمل اجتماعي وسياسي، يخدم القيم المشتركة بينهما، والتي تشكل المرجعية الحضارية للمجتمع المصري، والتي تعبر عن طبيعة المجتمع، كمجتمع شرقي محافظ

متدين، يحمل الهوية الحضارية الإسلامية.

وكما يفرض الباحث على القبطي الالتزام بحقائق الواقع الاجتماعي والحضاري للمجتمع المصري، بغض النظر عن حسابات السياسة والصراعات الاجتماعية والدينية في المجتمع، كذلك فرض القبطي على الباحث أهمية خوض

تجربة المشاركة في مشروع سياسي إسلامي، لتقديم نموذج يكشف إمكانية بلورة رؤى سياسية مشتركة تعبر عن المسلم والمسيحي المحافظ، داخل إطار المرجعية الحضارية الإسلامية. خاصة وأن المجتمع المصري، مجتمع محافظ،

والأغلبية المسلمة والمسيحية محافظة أيضا. وهنا جاءت تجربة المشاركة في حزب الوسط.

فقد كان القبطي مستعدا لخوض التجربة مؤهلا نفسه لها، وكان الباحث أيضا يميل للبحث التفاعلي مع الحركة الإسلامية. لذا عندما جاءت تجربة حزب الوسط، وافق الباحث على الاشتراك في تأسيسه منذ اللحظة الأولى،

فالتجربة مهمة وتمثل مشروعا سياسيا إسلاميا، يقوم على تأسيسه أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، في ذلك الوقت. فهي تجربة بهذه المعايير مهمة، لأنها صادرة من قلب حركة إسلامية كبرى، وتقدم تصورا سياسيا مستمدا من

المرجعية الإسلامية. فكانت التجربة ضرورة، رغم كل الأثمان التي دفعت فيها. لأنها محاولة للبحث عن تلك القيم المشتركة بين المسلم والمسيحي، في تجربة تطبيقية على الأرض. وبهذا يصبح للأفكار صورا تطبيقية، وتتحرك

الكلمات على الأرض في تجربة عملية. ولم تكن مشاركة الباحث والقبطي أيضا، رغبة في ممارسة دور سياسي، أو التحول إلى دور الفاعل السياسي، ولكن رغبة في تقديم نموذج يؤكد الفكرة عمليا. لذا كان التحول إلى دور

المشارك السياسي، هو تحول مؤقت في كل الأحوال، وله غرض محدد، وينتهي بانتهاء الغرض منه.

لكن تجارب السياسة ليست مثل تجارب الفكر والبحث، فهي تجارب متفاعلة على الأرض، وفيها من الأحداث المتلاحقة ما يؤدي إلى تغير الأحوال من لحظة إلى أخرى. فلم تكد التجربة تبدأ، حتى بدأ الخلاف بين جماعة الإخوان

المسلمين ومجموعة الوسط من أعضاء الجماعة. ولم يكن الباحث طرفا فيها، ولم يكن مشاركا فيها، ولم يكن يعلم خلفياتها، في لحظة ظهورها، وإن كان علم قصتها بعد ذلك. ولا يهم كل تفاصيل القصة في هذا المقام، ولكن يهم

موقف الباحث القبطي، الذي خرج على القواعد التي وضعها لنفسه، وشارك في عمل سياسي، ثم يفاجئ بوجود مشكلة بين مؤسسي الوسط وقيادات جماعة الإخوان المسلمين. وعندما تكون في قلب مشكلة لست طرفا فيها

أصلا، تصبح تلك مشكلة.

تصورت في تلك اللحظات أن المشكلة يمكن عبورها، أو يمكن تخطيها وغلق ملفها، ولم أكن طرفا قادرا على التفاعل مع العديد من جوانب المشكلة التي لم تكن كلها منظورة، وإن عرفتها في أوقات متتالية. وظهر واضحا أن

المشكلة مستمرة، وربما تكون بلا حل. وتصورت أن الملف يمكن أن يغلق، بأن يأخذ كل طرف قراره المستقل، وتفترق الطرق، وتنتهي الحكاية. ولكن الصدام كان يتدحرج ككرة الثلج، ولم يكن هناك مخرجا من تلك الحالة. وبعد

استقالة مؤسسي الوسط من الجماعة، كنت أتصور أن تكون تلك هي النهاية، فيتوقف كل الأطراف عن خوض المعركة وتقف المواجهة، ولكنها استمرت. كان الهجوم الصادر من مؤسسي الوسط على جماعة الإخوان يعقد

موقفي، وكان قرار الجماعة بسحب التوكيلات الصادرة من أعضاء الجماعة لوكيل المؤسسين، وتقديمها أمام المحكمة، يحرج موقفي كثيرا.

فالغرض كان التأكيد على إمكانية صياغة مشروع سياسي إسلامي جامع، يعبر عن المسلم والمسيحي، أو بعض المسلمين وبعض المسيحيين، ولكن مسار المواجهة الحادثة بين الوسط والإخوان، كان يمثل ظرفا طارئا يجب التعامل

معه. لذا رأيت أن البقاء في الوسط مهم، بعد خروج قياداته من الإخوان، بل ورأيت أن الاستمرار في التجربة الثانية، والتي مثلت تجربة مستقلة بالكامل عن جماعة الإخوان المسلمين، مهما أيضا. كان من المهم أن يؤكد القبطي أنه

ناصر المشروع وهو خارج من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وناصره وهو مشروع مستقل بالكامل عن الجماعة، وأن الفكرة قابلة للتطبيق بصور وأشكال مختلفة. ولم يتغير موقف الباحث من جماعة الإخوان المسلمين أو الحركة

الإسلامية عموما، لأنه ليس طرفا حركيا بين الأطراف الأخرى، بل ظل الباحث يرى أنه يمثل حالة بحث تفاعلي مع الحركة الإسلامية، وأن تجربة الوسط تقع في هذا الإطار، رغم أن التفاعل فيها وصل إلى حد المشاركة.

ولكن كانت مشكلة الباحث ومازالت، أن يظن أنه مع طرف في مواجهة طرف آخر، وهذا ليس اختياره، وليست وظيفته أيضا. فتلك مواقف الفاعل السياسي، والذي ينحاز لطريق في مواجهة طريق آخر، أما الباحث فينحاز

للمرجعية التي يستند لها في بحثه، ولكن لا ينحاز لهذا الفريق أو ذلك. ولكن في عالم الفعل السياسي، لا يقبل الكثيرون أن تقول أو تفترض أنك غير منحاز، بل لا يستطيع أن يرى البعض أنك غير منحاز. ففي السياسة، ينظر

للكل على أنه منحاز سياسيا وحركيا، فحتى إن كنت باحثا غير منحاز، ولست طرفا في اختلافات الحركات الإسلامية وصراعاتها، فينظر لك في النهاية على أنك منحازا أو يجب أن تكون منحازا، فلا توجد مسافة للحياد بين

المتخاصمين سياسيا أو حركيا، وتلك مشكلة يعاني منها الباحث، وهي جزء من حياة الحركي أو السياسي.

وبعد المشاركة في التجربة الأولى لحزب الوسط والتجربة الثانية، وبعد صدور قرار لجنة الأحزاب برفض الحزب ثم رفض المحكمة لتأسيس الحزب في المحاولة الثانية، بدأت رحلة الخروج والانسحاب. وقد كان خروجا تدريجيا، فلم

تكن هناك مفاوضات أو طلبات أو اقتراحات محددة يتوقف عليها الاستمرار أو الانسحاب. ولم يكن هذا الانسحاب في لحظة معينة وتاريخ محدد، بل كان انسحابا تدريجيا، بعد نهاية التجربة الثانية، وقبل بداية التجربة الثالثة.

لم يكن الانسحاب صداما و صراعا، فالباحث لا يدخل في صراعات السياسة، ولكن تفرض عليه فقط في بعض الأحيان. وكان الانسحاب ضروريا، حتى يعود الباحث لدوره، لأنه لا يستطيع البقاء كثيرا في ممارسة دور الفاعل

السياسي. وكان انسحاب القبطي ضرورة أيضا، خاصة بعد أن أصبح الوسط يسمى انشقاقا عن جماعة الإخوان المسلمين، فلا يجوز أن تكون مشاركة القبطي الأولى في تجربة سياسية إسلامية، جزءا من انشقاق على حركة

إسلامية، فهو موقف لا يناسب أهدافه، كما أنه ليس طرفا فيه. كانت تلك حسابات الباحث والقبطي، بأن التجربة أوصلت الرسالة المرجوة منها، وأن الانسحاب قد جاء وقته.

ولكن الدخول في تجربة سياسية ثم الانسحاب منها، لا يعفيك من الاستمرار داخل حلقة الخلافات أو المواجهات السياسية. فإذا أردت توضيح موقفك وسبب خروجك أو أن تعلن موقفك من التجارب التالية، فأنت في موقف

حرج، لأنك كنت مشارك سابق. وهو حرج لا يشعر به الباحث عندما يلزم نفسه بنطاق عمله البحثي، ولكنه يصيب الباحث كلما كان باحثا مشاركا ومتفاعلا. وفي كل الأحوال، يمكن القول بأني أرى أن البرنامج الأول (لم

أشارك في كتابته) والثاني (شاركت في كتابته) لحزب الوسط، أقرب لما أتصوره من رؤية سياسية، وأن البرنامج الثالث والرابع، أبعد عن تصوراتي السياسية، مع التأكيد على أني انسحبت من حزب الوسط قبل صدور البرنامج

الثالث.

ولكن الباحث أصبح في لحظة جزءا من تجربة حركية، فأصبحت مواقفه التالية تفسر سياسيا، وهكذا تتعقد الخطوط بين مهمة الباحث المتفاعل، وبين تجربة المشاركة، والتي تضع الباحث في موضع من أصبح طرفا بين فرق مختلفة.

وإلى المقال القادم..
_______________________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (6)

د. رفيق حبيب | 08-09-2010 04:07

أن تكون قريبا من جماعة الإخوان المسلمين بعد أن كنت جزءا من حزب الوسط فتلك مشكلة، لأنك تحركت بين فصائل بينها اختلافات، وأحيانا ما هو أكثر من الاختلاف. ولكن الحقيقة أن موقف الباحث لم يتغير من جماعة

الإخوان المسلمين، بل أن اشتراكه في حزب الوسط كان بسبب معرفته بجماعة الإخوان المسلمين، حيث كان مؤسسوه من أعضاء الجماعة. والمسألة ليست فيها انتقال، فالباحث يمارس تجربة البحث التفاعلي في ضوء ما هو متاح

وممكن، ومعرفة الباحث بجماعة الإخوان المسلمين، وحواره مع بعض أعضائها تمتد لسنوات قبل تجربة الوسط واستمرت بعده، وبداية الحوار المتواصل مع جماعة الإخوان المسلمين، بدأت بعد انسحابه من الوسط بسنوات.

لكن تفسيرات السياسة، تعقد موقف الباحث، وتضيق عليه اختياراته، وهذا لا يعني أن تفسيرات السياسة خطأ. فقد يؤدي موقف الباحث أحيانا إلى تأثير سياسي لا يقصده، وقد يرى البعض أن بعض التصورات والتحليلات التي

تصدر من الباحث، يمكن أن توظف سياسيا أحيانا. كل هذا من توابع الاقتراب من المجال السياسي، ولكن تجربة البحث التفاعلي المحاور مهمة، وهي في حالة الباحث المهتم بالحركة الإسلامية مهمة أكثر، وبالنسبة للقبطي تصبح

أكثر أهمية، لأنه يحتاج للتفاعل المباشر مع رموز وقيادات الحركة الإسلامية، ويعرفهم بصورة مباشرة.

لذا استمر الباحث يرى ضرورة الاستمرار في تجربة البحث التفاعلي، وضرورة التوصل إلى التصورات الشارحة والمفسرة للحركة الإسلامية والمشروع الإسلامي. فالفكرة الإسلامية ومشروعها، تمثل تعبيرا عن الموروث التاريخي،

وبالتالي فهي تمثل المحور الرئيس المشكل للماضي، والذي سوف يشكل الحاضر والمستقبل. ولأن الحضارة الإسلامية هي المرجعية التاريخية للدول العربية والإسلامية، لذا فهي الإطار المرجعي لكل المكونات المشكلة للأمة، وهي

المرجعية الغالبة، والتي يجب أن نحقق من خلالها وحدة أوطان الأمة، ووحدة كل وطن منها.

والباحث عندما يقترب من جماعة الإخوان المسلمين، ويصبح محاورا ومتفاعلا معها، لا يقوم بدور السياسي الذي يحمل منهجا سياسيا ويريد أن يعرضه على الجماعة. فالباحث وظيفته الفهم والتفسير والتحليل، وليس من وظيفته

إصدار الأحكام السياسة. لأن كل ناشط سياسي أو حركي تكون له رؤيته الحركية التي يرى أنها أفضل من الرؤى الأخرى. ولكن الباحث يرصد الرؤى الحركية، ويرى تأثيراتها على الواقع ويحللها، ويحاول أن يعرف مآلها

المستقبلي. وتظل تلك الحقيقة غائبة عن البعض، فالباحث عندما يرصد الواقع لا يصنعه، فهو ليس من صناع الواقع، أما الحركي فهو من صناع الواقع. وهنا اختلاف كبير، بين من يحاول فهم الواقع، ومن يشارك في صنع الواقع.

وعندما يتناول الباحث جماعة الإخوان المسلمين بالبحث والتحليل، يرصد واقعها وموقفها السياسي والاجتماعي، ويرصد رؤيتها ورسالتها، وأيضا منهجها الحركي. لذا فالرصد يكون للواقع القائم، ثم يقاس هذا الواقع على ما

حددته الجماعة لنفسها من منهج، ويقاس على الواقع المحيط بها، ويتم رصد تأثيراته الاجتماعية والسياسية. وهذا الرصد والتحليل، ليس تأييدا ولا معارضة، وليس قبولا ولا رفضا. فالباحث يكون معنيا بشرح الواقعة وتفسيرها،

وليس بتحديد موقف شخصي منها. فالباحث يختار المرجعية التي يستند عليها، وهي كما أوضحت مرجعية المجتمع الذي ينتمي له، والتي تمثل هويته وقيمه، من ثم يصبح منحازا لتلك المرجعية، أما عدا ذلك من الظواهر التي

يتناولها، فهو لا يحكم عليها حكما سياسيا أو ذاتيا، ولا يحكم عليها من خبرته، خاصة وأن خبرته ليست خبرة الممارس الحركي.

وتظهر هنا مشكلة تتعلق بكيفية قراءة ما يتوصل له الباحث من تحليلات وتفسيرات، فقد يرى فيها البعض مدحا أو تأييدا، وهي ليست كذلك، بل هي رصدا للواقع. فرصد ما تعتمده جماعة الإخوان من أساليب ومواقف

وعرضه، يمثل ما توصل له الباحث من مشاهدات، ولكنه ليس تأييدا لأسلوب معين تتبعه الجماعة في مواجهة أساليب أخرى، قد تكون مطروحة. وقد يرى البعض أن من مهمة الباحث، تحديد أنسب الوسائل التي يمكن للحركة

أن تحقق بها أهدافها، وهذا أمر يسهل على الممارس الحركي أكثر من الباحث. فالباحث إذا أراد التفضيل بين أكثر من خيار حركي لجماعة الإخوان المسلمين، سيكون عليه تحديد تلك الخيارات، وحساب تأثير كل خيار منها،

وحساب نتائج كل خيار، ورسم صورة للتوقعات المستقبلية بحسابات دقيقة، حتى يقول في النهاية إن اختيار الجماعة لخيار ما سوف يمكنها من تحقيق أهدافها أكثر من الخيارات الأخرى، حتى تكون خلاصته علمية. وهي عملية

بحثية وحسابية معقدة، قد يتمكن الباحث من حسابها في بعض الحالات، ويصعب عليه حسابها في حالات أخرى. لأن الحسابات العلمية للتوقعات المستقبلية، من أصعب المحاولات العلمية.

وتتعقد المشكلة أكثر، إذا عبر الباحث عن تصوره في قضايا تطرح فيها رؤى مختلفة من داخل جماعة الإخوان المسلمين. خاصة وأن كل تحليل أو تصور يعرض لصورة الواقع، يحمل ضمنا تصويرا وتحليلا له، مما يمكن أن يكون له

ردود فعل، تتعلق ببعض القضايا الداخلية المثارة. والمشاهدة البحثية تتوجه للواقع القائم لفهمه، ولكن هذا الواقع ليس حالة صامتة، بل حالة متفاعلة، بها بعض الجدل أو النقاش، ومن هنا قد يرى البعض أن تصورات الباحث قد

تؤثر على الجدل الداخلي، والذي قد يكون متابعا له أو لبعضه. ولكن المشكلة أن الحركي يتصور أحيانا أن كل فعل أو فكرة تطرح لها علاقة بقضية مثارة، يجب أن تكون جزءا من حالة التفاعل أو المواجهة، ويفترض أنها جزء من

الفعل المواجه له. فالحركي يحاول الانتصار لفكرته غالبا وليس أحيانا، ويرى أن كل فكرة أخرى تختلف عن فكرته، قد تكون خصما من فكرته، لذا يميل أحيانا الحركي للاشتباك مع التصورات، وكأنها أفعال سياسية أو حركية

على الأرض، رغم أنها قد تكون تصورات باحث.

وهنا تبرز قضية مهمة في الفرق بين التفضيل بين المناهج كموقف يأخذه الحركي في حياته وخياراته، وبين التحليل والتقييم للمناهج والخطوات والخطط، في تصور الباحث. فالباحث المتابع لجماعة الإخوان المسلمين، يحاول معرفة

منهجها، ثم يحدد تصورها عن الخطوات المستقبلية، مما يساهم في فهم اختيارات الجماعة الممكنة في المستقبل. وكل تصورات الباحث ترتبط أساسا بمعيار منهج الجماعة المعتمد ورسالتها المختارة، بحيث يستطيع معرفة اختيارات

الجماعة الحركية في ضوء خيارات الحركة. ومعنى هذا، أن الجماعة إذا غيرت من بعض اختياراتها، وتبنت اختيارات أخرى، سيكون من الضروري تحليل موقفها على معيار اختيارها الجديد. ويمكن للباحث بالطبع وضع تصوراته

عن خيارات الجماعة المستقبلية المتوقعة، وعن المواقف التي سوف تتبناها في المستقبل.

وكل هذا يعمق تصورات الباحث، بما يتيح له في النهاية طرح رؤية إستراتيجية تشرح الأوضاع الراهنة، وتطرح سيناريوهات المستقبل، وتقيس التوقعات وتختبر الخيارات. ولكنه بهذا لن يكون مثل الحركي الذي يتبنى منهجا معينا

وينحاز له، بل سيكون مثل القياس الذي يختبر الرؤى والتصورات المنهجية المطروحة.

وكاتب السطور يرى من خلال ملاحظاته ودراسته، أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل حركة محورية في التيار الإسلامي، وأنها رافعة رئيسة لمشروع النهوض الحضاري الإسلامي، وتلك خلاصة للبحث والدراسة، وهي بهذا واقع يراه

الباحث، وليست موقفا عاطفيا. ويظل ما يكتبه الباحث عن جماعة الإخوان المسلمين، يستهدف الفهم والرؤية الواضحة، والتي تطرح على القارئ واقع الجماعة، أما المدح والذم، فهي من لوازم الحركي والممارس السياسي، والذي

ينحاز لجماعة أو لاختيار، ويمارس دوره بناءا على هذا الانحياز.

ولكن الباحث القبطي المتفاعل مع الحركة الإسلامية، لا يمكنه رصد الحركة الإسلامية، دون رصد لأسس المشروع الحضاري الإسلامي، فيجد نفسه يحلل الرؤى الحضارية الإسلامية المختلفة، فيقع بين المختلفين حول الرؤى

والأفكار، ويصبح كمن يدخل طرفا بين المتهمين بالجمود والمتهمين بالمهادنة، وتلك مشكلة أخرى.
___________________________________________________________________________________________
مع الحركة الإسلامية.. خواطر باحث قبطي (7)

د. رفيق حبيب | 15-09-2010 00:03

لا يمكن دراسة الظاهرة الإسلامية، دون دراسة الحضارة الإسلامية، ومعرفة قيمها المركزية وأسسها ومبادئها وملامحها الخاصة، وركائزها المحورية، والتي تميزها عن غيرها من الحضارات، ومعرفة ما هي الأسس التي لا تقوم بدونها

الحضارة الإسلامية، والرؤية الإسلامية. وهذا ما يدفع للبحث حول الثابت والمتغير، والبحث في الفروق بين الرؤية المركزية والرؤى المتشددة وتلك المرنة. وهي مسألة ليست سهلة على الباحث، فما بالك إن كان قبطيا. والباحث

ليس مفتيا أو عالم دين، وإن كان يحق له أن يكون، أما إذا كان الباحث قبطيا، فلن يكون إلا باحثا.

والباحث الاجتماعي عندما يدرس حضارة، فهو يدرس الجانب المتحقق تاريخيا وواقعيا. فالحضارة تتحقق داخل جماعة بشرية، وقيمها وأفكارها المركزية تتحقق أيضا داخل الوعي الجمعي لتلك الحضارة البشرية. وفي كل الأحوال،

فإن الحضارة بوصفها قيما ومبادئ وأحكام، توجد في الوعي الجمعي للشعب أو الأمة التي تحمل هذه الحضارة. وعندما يدرس الباحث الحضارة الإسلامية، فهو يدرس بنية تلك الحضارة المتحققة تاريخيا، والمستمرة في الوعي الجمعي

للأمة، وفي الرؤى التي تحملها الحركات التي تحمل رسالة تلك الحضارة. ومن خلال تلك الدراسة، يتوصل الباحث إلى أسس الحضارة الإسلامية، وقيمها ومبادئها وأحكامها كما أمنت بها الأمة وحققتها، وكما توجد في الوعي

الجمعي لها، والذي يحرك سلوكها ومعارفها واختياراتها. وهو مدخل يختلف عن مدخل الفقيه أو عالم الدين، والذي يستمد أسس المشروع والرؤية الإسلامية من النص المقدس.

ومن الضروري للباحث التوصل في النهاية إلى الخصائص المركزية التي تميز الحضارة الإسلامية عن غيرها، وبالتالي التي تميز التصور السياسي الإسلامي عن غيره. ومن هنا تتبلور الركائز التطبيقية الأساسية للمشروع الإسلامي. ثم

تتضح فكرة النظام السياسي، ودور الدولة في المرجعية الإسلامية. وهو ما يفتح بابا مهما أمام الباحث، حيث يستطيع بعد ذلك معرفة المآل الذي يمكن أن يصل له المشروع الإسلامي في التطبيق، ثم يمكنه معرفة مآل التفاعل بين

التيارات المختلفة داخل تيار الصحوة الإسلامية، والتي تحمل تصورات متباينة. وهو ما يسمح بمعرفة مسار حالة التفاعل داخل التيار الإسلامي، وتأثير ذلك على قدرته على تحقيق مشروعه، والكيفية والصورة التي يمكن أن يحقق

بها مشروعه.

ومن لوازم البحث في التصورات الاجتماعية والسياسية الإسلامية، أن يحدد الباحث الأفكار الرئيسة الممثلة لما هو سائد في التيار الإسلامي. ومن تلك الأفكار يتم معرفة التيار السائد والغالب، داخل التيار الإسلامي. ولتحديد

التيار السائد أهمية خاصة، حيث أنه يتيح تحديد مقياس للتصنيف بين التيارات الإسلامية المختلفة، لتحديد أي تيار منها يقع في الموضع المتوسط على المقياس، وأي تيار منها يمثل الأغلبية، أو يمكن أن يكون تيارا سائدا، مما يجعله في

موضع متوسط على المقياس، وبما يسمح بمعرفة موضع التيارات الأخرى على هذا المقياس. وهو ما يتيح تصنيف روافد التيار الإسلامي، ومعرفة تطورات اتجاهاته المختلفة، وتحولاته المستقبلية.

ومن هنا يدرك الباحث التيار السائد في الحضارة الإسلامية، والمعبر عن جوهرها، والممثل لما تم التوافق عليه عبر التاريخ، وبين أغلبية الأمة. فيستطيع الباحث رسم صورة التيار السائد داخل المنظومة الإسلامية، ومعرفة الأسس

التي شكلت القيم والمبادئ والأحكام المركزية لهذه المنظومة.

وبهذا يتمكن الباحث من تصنيف التيارات الإسلامية، ليحدد التيارات التي تقع في الوسط وتلك التي تقع في يمين الوسط، ويفترض أنها التيارات الأكثر منه تشددا أو التزاما أو تقليدية، ويحدد بالتالي التيارات التي تقع على يسار

تيار الوسط، والتي يفترض أنها أكثر مرونة أو توفيقية أو تحديثا. ولكن المشكلة التي تواجه الباحث في كيفية تسمية تلك التيارات، دون أن تعتبر التسمية موقفا سياسيا أو دينيا، أو تعتبر موقفا يؤيد تيار على حساب تيار آخر. وفي

اللغة العلمية مثلا، تستخدم كلمة التطرف لوصف التيارات الأقل انتشارا والتي تمثل الأقلية، ولا تمثل التيار السائد أو الغالب، ولكن تعبير التطرف أصبح محملا بدلائل سياسية ودينية.

وبالنسبة للباحث، فهو يرصد تيار الوسط أو التيار الغالب من خلال الواقع، فإذا تحول الواقع وأصبح أكثر التيارات تشددا أو تطرفا والذي كان يمثل الأقلية، أصبح يمثل الأغلبية، فعلى الباحث أن يعتبره تيار الوسط بالمعنى

الإحصائي والعلمي. لذا فالباحث مقيد بالواقع الذي يدرسه، في حين أن الفقيه أو عالم الدين مقيد بالنص المقدس الذي يدرسه ويفسره، ويقدم فيه اجتهاده الخاص. لذلك يجد الباحث مشكلة في تصنيف التيارات الإسلامية، ويجد

مشكلة أكبر في تحديد بعدها أو قربها عن التيار السائد في الحضارة الإسلامية. فليس كل فكرة أو رؤية تمثل بنية الحضارة الإسلامية بنفس الدرجة، فبعض الرؤى تبتعد عن القيم المركزية للحضارة الإسلامية، وبالتالي لا يمكن النظر

لها بوصفها تعبيرا عن الحقيقة التاريخية لتلك الحضارة، لأنها تختلف مع الملامح المركزية الأساسية لتلك الحضارة. وفي نفس الوقت، فإن الباحث المتابع لمسيرة الحضارة الإسلامية، يعرف ثوابت تلك الحضارة كما يعرف متغيراتها.

فالثوابت هي تلك القيم والغايات والمبادئ والأحكام، التي مثلت الملمح الرئيس المستمر للحضارة الإسلامية، والثوابت هي السمات المتواصلة المستمرة، وهي القيم العابرة للزمان والمكان. ومن يستطيع تحديد الثوابت المتحققة،

يعرف بالتالي المتغيرات. وبالتالي يستطيع الباحث التمييز بين الرؤى المختلفة المطروحة على الساحة الإسلامية، ومعرفة موقعها من الخط الرئيس للحضارة الإسلامية.

وعندما يكون الباحث له خبرة تفاعلية مع الحركة الإسلامية، وشارك في المحاولة الأولى والثانية لحزب الوسط، وتفاعل حواريا مع جماعة الإخوان المسلمين، فكيف له أن يضع تصنيفاته للوسط والإخوان. فهنا سوف يعتبر كل ما

يقوله داخلا في دائرة المواجهة أو الخلافات السياسية والفكرية بين الإخوان والوسط. وتلك مشكلة يعاني منها الباحث، لأنها تحد من قدرته على التعامل علميا مع الظاهرة، دون أن يكون طرفا في مواجهة سياسية أو تنظيمية.

وتصنيفات الباحث ليست حكما سياسيا أو دينيا أو فقهيا، بل هي تصنيفات علمية، تستخدم لتلخيص التنوعات بين التيارات، مما يمكن من دراستها ومعرفة تطورها.

فكيف يصنف حزب الوسط والإخوان، بل والتيار السلفي أيضا؟ إن الملاحظة والمشاهدة البحثية، تؤكد على أن حزب الوسط يقع على يسار الإخوان، وأن التيار السلفي يقع على يمين الإخوان، ولكن تسمية وتحديد تلك المواقع

ووضع عنوان لها، يجعل الباحث في قلب صراعات، هو ليس طرفا فيها. مما يعني أن الباحث الذي يريد أن يبتعد عن المواجهات السياسية، عليه أن لا يكون باحثا متفاعلا مع الظاهرة. وتلك مشكلة، خاصة مع أهمية الجانب

التفاعلي للبحث العلمي، خاصة وأن الباحث لا يحاول مجرد تقديم دراسات علمية، بل يحاول التفاعل مع مشكلة المجتمع، بحثا عن مخرج تستعيد من خلاله الأمة هويتها ومرجعيتها.

وخبرة الدراسة العلمية للحضارات، تعرف الباحث طبيعة كل حضارة والاختلافات بين الحضارات، مما يجعله قادرا على تحديد القيم المميزة لكل حضارة، ورصد عمليات التغريب والعلمنة. وتلك قضية مهمة، لأنها تمثل المواجهة

الحضارية التي تواجه الأمة. لأن نهضة الأمة مرهونة في تصوري بمدى قدرتها على إحياء خصوصيتها الحضارية، وكلما تعرضت للتغريب أو العلمنة، باتت أقرب للتبعية الحضارية، وفقدت فرص التقدم.

وفي كل تجربة تتحقق بعض الأهداف، ويصعب تحقيق بعضها، ولكن التجارب تعلم وتكسب الخبرة. ولكن من الضروري أن تستمر محاولة ردم الفجوة بين المسلم والمسيحي من أبناء الأمة الإسلامية، وتستمر محاولة فهم ورصد

واقع الحركة الإسلامية، وفهم طبيعة الحضارة الإسلامية.

انتهى..
_______________________________________________________________________________